الجزء الثاني
الجزء ٢ · صفحة ٤٨١وألح النبي خاصة على أنها سر من أسرار الله تعالى ونهى عن الخوض فيها.
لكن المسلمين لم ينتهوا عن الخوض فيها عدا الرعيل الأول من الصحابة الذين غلب عليهم طابع الإيمان بما يرون من إعجاز في القرآن الكريم، وبما يلمسون في سيرة النبي صلى الله عليه وسلم من قدوة حسنة وفي كلامه ما يغنيهم عن الجدل والعناد.
وما أن هبت عاصفة الفتنة الكبرى حتى ثارت قضية القدر وعاد تجاذب طرفي الحبل بشدة فأصحاب السلطان ضغطوا على طرف الغيب فجنحوا إلى القول بالجبر حتى يقنعوا الناس أنهم يستمدون نفوذهم من الله والقوى المعارضة ضغطت على طرف عالم الشهادة بقوة واعتبرت أن هذا النفوذ عمل بشري محض واستبداد لا دخل لعالم الغيب فيه.
ولم يغب الإباضية عن هذا الغليان الحضاري بل كان لهم موقفهم من اللحظة الأولى ورغم أنهم من صف المعارضة، ومواقفهم من الأمويين معروفة لم يجنحوا إلى ما جنح إليه المعتزلة ولا إلى ما جنح إليه الجبرية بل كان موقفهم مع الإمام جابر موقف الرسول عليه السلام:" من يهده الله فلا مضل له ومن يضلل فلا هادي له" ثم إن الاحتكاك الحضاري بسائر الفرق الناشئة في مدينة البصرة حيث برزت حلقات المناظرات وتمازجي الحضارات وأثيرت القضايا العقائدية بقوة، بحسن نية وبسوء نية، والبصرة هي منطلق دعوة الإباضية ومركزها الأول، دفع بأبي عبيدة إمام الإباضية الثاني إلى التمييز بين القدر والمقدور لتبكيت واصل بن عطاء، وبين أن القدر من الله والمقدور من الإنسان، وإلى البراءة من بعض أتباعه الذين ولوا وجوههم شطر نزعة غيلان الدمشقي، وعلى هذا المسلك درج الربيع بن حبيب حيث جمع كل ما وصله من أحاديث في هذا الموضوع في الجامع الصحيح وعلق عليها بأن الخلق من الله والفعل من العبد.