الجزء الثاني
الجزء ٢ · صفحة ٤٨٢وفي هذا المحيط المتموج تولدت عن قضية القدر مسائل كثيرة أبرزها قضية الجبر والاختيار أو ما عرف بخلق الأفعال بل صارت مركز الجدل بين المتكلمين وكلما أثيرت قضية القدر تتجه الأنظار إلى هذه المسألة مع مسائل أخرى مثل الاستطاعة والإرادة والعلم.
وبحكم التطور الحضاري وأثر الفكر اليوناني الفلسفي تحول الكفر الإسلامي تدريجيا من طور الجدل المتحمس الدفاعي الى طور التعقيد والتنظير وسلك الإباضية نفس المسلك فنشأت التعريفات الاصطلاحية وقالوا إن القضاء هو إيجاد الله تعالى الأشياء في اللوح المحفوظ دفعة واحدة والقدر هو انتهاء الأمور إلى أوقاتها وارتجاعها إلى مقدورها وثبت أن اللفظتين تلتقيان في الحقل الدلالي وهذا ما جعل التمييز بينهما صعبا مما أدى إلى غموض في التعريفات.
وما أن اعتزل الأشعري المعتزلة وظهر على الناس بمقالاته وإبانته وانطلق من وراء النهر الماتريدي بلمعة وتوحيده حتى سرى في الأمة نبع جديد تسمى بأهل السنة صاغ صياغة جديدة فكرا ساريا عند الناس وإن ثار على الاعتزال فلم يسلم من الجدل الكلامي.
والاباضية على الساحة يتأملون ويقارنون بين مختلف التيارات وموقفهم ثابت فلم يذوبوا في الفكر الاعتزالي رغم الالتقاء في عدة قضايا كما لم يبتلعهم هذا التيار الجديد وإن اتفقوا معه في بعض القضايا ومن بينها قضية القضاء والقدر وما تفرع عنها من قضية خلق الأفعال التي انصهرت في القول بالكسب.
وثبت أن جذور مفهوم الكسب ترجع إلى بداية القرن الثاني/8 مع أبي عبيدة والربيع إلا أن المصطلح لم يتبلور عند الإباضية إلا في ما بعد فقالوا هو صرف العبد قدرته وإرادته إلى الفعل مع الإشارة إلى الترجيح والاختيار.