البعد الحضاري للعقيدة عند الإباضية (نسخة الكتاب المطبوع) فرحات بن علي الجعبيري

الجزء الثاني

الجزء ٢ · صفحة ٤٨٨

وإن كانت صلة هذه القضية بالقضاء والقدر وثيقة فلعل صلتها أوثق بما اصطلح عليه بعنوان" الأسماء والأحكام" إشارة إلى المسميات التي تميز بها الفرق بين مستويات الامتثال لأوامر الله تعالى ونواهيه، ومستويات عدم الامتثال وما ينبني على ذلك من الأحكام في الدنيا والآخرة.(1)

والمتأمل في كتب أصول الدين يدرك يقينا أن سبب الخلاف بين الفرق يرجع إلى الاختلاف في تحديد المسميات وإذا كان المنطلقات متباينة فلا يمكن أن تكون النتائج متفقة.

واضح إذن أن لقضية الوعد والوعيد طرفين، طرفا غيبيا وطرفا في علم الشهادة، وإذا علمنا أن الحدود بين الأرض والسماء ليست في منتهى الدقة ندرك أن القضية لابد من أن تحير المتكلمين وقد حيرتهم فعلا وجعلتهم بين متفائل تفاؤلا مطلقا يحشر كل من قال لا إله إلا الله وإن مات مصرا على المعصية في الجنة بوجه من الوجوه، وبين متشائم تشائما مطلقا يعتبر أن المعصية شرك ومن جزؤ عليها يحل دمه وماله وسبي ذراريه ولا سبيل له إلى النجاة وكان منهم المتشائم والمتفائل والمعتدل في شأن مصير من خلط عملا صالحا وآخر سيئا.

وقبل أن نحلل هذه القضية يحسن أن نقف عند مسألة الأسماء والأحكام.

قضية الأسماء والأحكام

يقول الحق تبارك وتعالى: (اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي ورضيت لكم الإسلام دينا) (5 المائدة3).

انطلاقا من هذا المفهوم الواضح السامي أشع الإسلام بفتوحاته على أطراف العالم، لكن ما كاد ينتهي العقد الثالث من القرن الأول هجري/

(1) أنظر: تعريف المؤمن والكافر والمنافق والمشرك: 474 - 508

٤٨٨ / ٩١٨