البعد الحضاري للعقيدة عند الإباضية (نسخة الكتاب المطبوع) فرحات بن علي الجعبيري

الجزء الثاني

الجزء ٢ · صفحة ٥٦٠

من اعتبار شرط آخر فيهما وهو أن يكون الفاعل ممن يصح أن يثاب أو يعاقب، وإن شئت قلت الشرط هو أن يكون الفاعل ممن يفعله لشهوة أو شبهة … وغنما لم يكن بد من اعتبار هذا الشرط لأنه لو لم يعتبر للزم استحقاق القديم تعالى العقوبة، ومعلوم أنه لو قدر وقوع القبيح من جهته لم يستحق العقوبة وإن استحق الذم، تعالى عن ذلك علوا كبيرا"(1).

ثم يبين أن المؤثر في استحقاق المدح والثواب"إنما هو فعل الإنسان للواجب واجتنابه للقبيح وما يجري هذا المجرى"(2) ويخلص إلى النتيجة التالية:" وإذا قد عرفت هذه الجملة فاعلم أنه تعالى إذا كلفنا الأفعال الشاقة فلابد من أن يكون في مقابلها من الثواب ما يقابله، بل لا يكفي هذا القدر حتى يبلغ في الكثرة حدا لا يجوز الابتداء بمثله ولا التفضل به وإلا كان لا يحسن التكليف لأجله"(3).

ويرد على من يعتبر أن الله يثيب على ما ليس فيه مشقة بقوله:" إنا لا نوجب أن يكون في نفس الفعل مشقة، بل يجوز أن يكون في سببه أو في مقدمته أو في ما يتبعه ويتصل به"(4).

وهكذا يتناسق هذا الموقف مع قول المعتزلة بالعدل الإلهي، وبهذا يتضح قولهم بأن الثواب استحقاق وأنه ثمرة من ثمرات الإيمان والعمل الصالح، وبالتالي فهو واجب على الله تعالى إذ العدل الإلهي يقتضي أن يجارى المحسن حسب ما قدمت يداه.

وقبل أن نورد حجج مخالفيهم على هذا الموقف يحسن أن نشير إلى أن أبا القاسم خالف أصحابه في هذا الرأي وذهب إلى أن الثواب جود من

(1) القاضي عبد الجبار: الأصول الخمسة: 613 - 614

(2) القاضي عبد الجبار: الأصول الخمسة: 613 - 614

(3) القاضي عبد الجبار: الأصول الخمسة: 613 - 614

(4) القاضي عبد الجبار: الأصول الخمسة: 616 - 617

٥٦٠ / ٩١٨