الجزء الثاني
الجزء ٢ · صفحة ٦٠٧الله يغفر الذنوب جميعا) ولم يخص ذنبا من ذنب ولا غير شرك من شرك فيجب بهذا من قول الله أن يكون يغفر الشرك وغير الشرك والقرآن يصدق بعضه بعضا. والذي قال أهل التفسير في تأويل قول الله عز وجل (إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء) يقول لا يتجاوز عن شرك لقيه به عبده، ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء فقالوا: إن ما دون الكبائر مغفور لأهله متروك لهم إذا هم اجتنبوا الكبائر فوقع الغفران على الصغائر التي يوجب عليها العقاب وأكد ذلك بقوله (إن تجتنبوا كبائر ما تنهون عنه يكفر عنكم سيئاتكم) (4 النساء31) فدل على أنهم إن اجتنبوا الكبائر كفرت عنهم سيئاتهم التي هي دون الكبائر فإن لم يجتنبوا فلا، وقوله (لمن يشاء) فقد شاء أن يغفر لمجتنب الكبائر ما دون الكبائر ولم يشأ أن يغفر لمرتكبها إذا هو لقي الله بها.
وقال الله عز وجل (الذين يجتنبون كبائر الإثم والفواحش إلا اللمم) (53 النجم32) يريد من ألم منهم بما دون الكبائر فقال (إن ربك واسع المغفرة) (35 النجم32) وهو تأويل سهل قريب والحمد لله"(1).
نلمس من هذه التأويلات أنها لم تنتهج نهج الجدل العقلي في تحميل النصوص مالا تحتمل وإنما سلكت مسلكا مقارنا حصل منه تعزيز للقول بإنفاذ الوعيد في أهل الكبائر. وواضح أنها نصوص متكاملة تأخذ من بعضها البعض لتصل إلى نفس النتيجة والمدار في كل ذلك أنه كما يخرج المشركون والمنافقون وأهل الكتاب من عموم الآية ينبغي أن يخرج أهل الكبائر المصرون وتبقى المشيئة مرتبطة بأهل الصغائر والمتأمل مليا يتبين أن هذه التخريجات ليست إلا صياغة كلامية لما نقله جابر بن زيد عن رسول الله صلى الله عليه وسلم وسيبقى في هذا المحيط ما عبر عنه بالخصوص والعموم.
(1) أبو عمار عبد الكافي: الموجز: 2/ 113 - 115