البعد الحضاري للعقيدة عند الإباضية (نسخة الكتاب المطبوع) فرحات بن علي الجعبيري

الجزء الثاني

الجزء ٢ · صفحة ٦١٠

فالإباضية حينئذ استفادوا هذا الدليل من المعتزلة وتبنوه، ومهما يكن من أمر فإن هذا التخريج البلاغي ليس من التعسف في شيء كما ذهب إلى ذلك السيد علي بن محمد الجرجاني في حاشيته على الكشاف حيث يختم انتقاده بقوله:" وما هذا إلا من جعل القرآن تبعا للرأي نعوذ بالله من ذلك"(1) ما دامت اللغة العربية تتحمل ذلك، والزمخشري لا يشق له غبار في هذا الباب وهو من أئمة اللغة قبل كل شيء.

والملاحظ أن هذه الجملة تكررت بنفس الصيغة وفي نفس السورة ليس بينهما إلا ثماني وستين آية، وقد اعتبر يوسف المصعبي مثل الزمخشري أن ذلك من باب التأكيد(2).

ذلك هو موقف الإباضية من هذه الآيات وقد جمعوا فيها بين الاعتماد على النقل وعلى التأويل والربط بين الخصوص والعموم، والتحليل البلاغي ليصلوا إلى أن المشيئة مرتبطة ارتباطا جوهريا بالتوبة وهكذا يخرج المصرون من هذه المشيئة وهم في هذا يتفقون والمعتزلة بينما

(1) السيد علي الجرجاني: حاشية على الكشاف:1/ 533

ولو تأمل الجرجاني نفسه في ما قاله لوجد هو أيضا أنه حمل النص على رأيه وهذا اتهام قل من يسلم منه من أهل التفسير والتأويل.

ورأينا أنه لا حرج في ذلك ما دام النص يحتمل، وتلك قيمة المتشابهات في القرآن الكريم. انظر ما سبق: 271 وما يليها

(2) يوسف المصعبي: حاشية على تفسير الجلالين ورقة 177قفا

ملاحظة: لقد نبه صاحب المنار إلى أن المفسرين ذهبوا إلى أن التكرار من باب التأكيد والأولى أن يعلل تعليلا نفسيا، ومحوره أن القصد من الإعادة إثارة النفوس حسب متطلبات السياق لأن القرآن كتاب هداية. ر. تفسير المنار: 5/ 418 ويطرب محمد جواد مغنية لهذا التحليل وينقل نص المنار بحذافره. ر. التفسير الكاشف: 2/ 440.

٦١٠ / ٩١٨