البعد الحضاري للعقيدة عند الإباضية (نسخة الكتاب المطبوع) فرحات بن علي الجعبيري

الجزء الثاني

الجزء ٢ · صفحة ٦٣٧

والمتأمل في واقع المسلمين عامة يدرك ما لهذا الرجاء العريض والأمل الواسع في العفو عن مرتكبي الكبائر المصرين عليها إلى الموت من أثر مقيت حيث استهان الناس بجميع الرذائل وانتهكوا الحرمات جهارا، ويعتبر من نفل القول أن نستدل على هذا بما عرفه الأدب من خلاعة ومجون واستهتار.

وإن قالت فرق إسلامية بإنفاذ الوعيد مثل المعتزلة والأزارقة فإنهم انقرضوا مع مر الزمان فالفكر الاعتزالي تسرب إلى كالفكر الإسلامي تقريبا وإن بقي أكثر نصاعة في الفكر الشيعي والفكر الأزرقي لا نستطيع أن نقول فيه القول الفصل إلا انه متهم من قبل خصومه بأنه اعتبر الكبائر من باب الشرك، فلم يبق حينئذ إلا الاباضية ممن يعتقدون إنفاذ الوعيد، وأنت إن تأملت في بيئتهم زمن الازدهار في الظهور أو الكتمان(1) تجد مجتمعا أقر ما يكون إلى الاسلام لأن من يعتقد أنه معاقب لا محالة إن هو لم يتب يكون أكثر احترازا ممن يعتقد انه معفو عنه، وفي أقصى الحالات يعذب قليلا ثم إلى النعيم الأبدي، ولا أبالغ في شيء إذا قلت إن مجتمع ميزاب حيث تطبق أصول الإباضية من أن

نظف المجتمعات الإسلامية في هذا العصر.

أما الإباضية بجربة حيث غفل الناس عن أصولهم فقد دب إليهم الفساد ونهشهم الحرام وصار الكثير منهم لا يتورع عن المجاهرة بالمعصية إذ لا رادع مع الجهل بالأصل مثل ما حدث في جل أطراف العالم الإسلامي.

أما جبل نفوسة فما يزال أهله أكثر غيرة على أصول مذهبهم.

إلى هذا الحد يقف تحليلنا لقضية الوعد والوعيد ويحسن أن ننظر في بعض القضايا المتفرعة عنها قبل أن نقتحم قضية الخلود.

إن قضية الوعد والوعيد أو بعبارة أصح قضية الوعيد ترتبط بها قضايا أخرى كانت مثار جدل بين المسلمين نختار ترتيبها حسب تدرجها الزمني عذاب القبر، الشفاعة، وجود النار وفناؤها، الورود والخلود.

(1) انظر ما سبق: 54 تعليق 57

٦٣٧ / ٩١٨