البعد الحضاري للعقيدة عند الإباضية (نسخة الكتاب المطبوع) فرحات بن علي الجعبيري

الجزء الثاني

الجزء ٢ · صفحة ٦٣٨

القضايا المتفرعة عن الوعد والوعيد

عذاب القبر

قال تعالى: (فبعث الله غرابا يبحث في الأرض ليريه كيف يواري سوأة أخيه قال يا ويلتاي أعجزت أن أكون مثل هذا الغراب فأواري سوأة أخي فأصبح من النادمين) (5 المائدة31).

إن هذا السياق القرآني يبين أن الله علم البشر كيف يحترمون موتاهم فيوارونهم في التراب حتى لا تبقى جثثهم كجيف الكلاب وما إليها، وفي هذا تكريم من الله تعالى يذكر به في قوله (ثم أماته فأقبره) (80 عبس21) فالقبر حينئذ هو الموضع الذي يدفن فيه الميت من بني آدم، وإن علم الله البشرية هذا المسلك من أول ما عرف الإنسان الموت فإن البشر اختلفوا عبر الزمان في مواراة موتاهم فعمد من عمد منهم إلى الإحراق مع المحافظة على الرماد في قوارير تحفظ، وعمد من عمد إلى تحنيط الأموات قبل الدفن ولجأ البعض إلى الدفن الجماعي في سراديب تحت الأرض، وتفنن من تفنن في بناء القبور، وأهرام مصر أكبر شاهد على ذلك.

وليس غرضنا في هذا الفصل أن نحلل هذه القضية وإنما المشكل المطروح ماذا عن أحوال أهل القبور أو ما يسمى بالحياة البرزخية(1) وما هو موقف الإباضية من ذلك؟

إن المتتبع للقرآن الكريم لا يجد إشارات واضحة لتصوير أحوال أهل القبور، وإنما تأول المفسرون بعض الآيات(2) ورأوا فيها دليلا على ثبوت تنعم أصحاب القبور وتعذبهم، أما في الحديث فقد جاءت نصوص عديدة

(1) البرزخ: الحاجز بين شيئين، وما بين الموت والحياة، فمن مات فقد دخل البرزخ قال تعالى] ومن ورائهم برزخ إلى يوم يبعثون [(23 المؤمنون 100).

(2) انظر ما يلي: 643

٦٣٨ / ٩١٨