البعد الحضاري للعقيدة عند الإباضية (نسخة الكتاب المطبوع) فرحات بن علي الجعبيري

الجزء الثاني

الجزء ٢ · صفحة ٦٥٥

تعالى: (عسى أن يبعثك ربك مقاما محمودا) (17 الإسراء79) أي يحمدك فيه الأولون والآخرون حيث لم يجدوا قبلك شافعا"(1).

إن المتأمل في هذه التعاريف يلمس بوضوح مدى اتصال القضية بموضوع الوعد والوعيد(2) فالقائلون بإنفاذ الوعيد مثل الإباضية لا يعتبرون أن في الشفاعة دفعا للضر إلا في مستوى الدنيا أما في مستوى الآخرة فهي زيادة في جلب النفع ويقول القاضي عبد الجبار في هذا الصدد عند مناقشة المرجئة(3):" بل لو جعل الأصل في هذا الباب النفع ويرجع بدفع الضرر إليه لكان أولى وأوجب"(4) ومثل هذا الاتجاه واضح غاية الوضوح في تعريف التلاتي والسالمي الذي جاء معبرا عن موقف الإباضية.

أما التعاريف الأخرى فقد عكست فكرة أصحابها في خلف الوعيد واعتبرت أن الشفاعة تتمثل في جلب النفع ودفع الضر والضر هنا هو الكبائر إلا أن صاحب المنار سلك مسلكا آخر في التعريف اعتمد فيه على التمثيل وانتهى إلى أن إرادة الله حسب علمه، وعلمه أزلي فلا سبيل إذن إلى فسخ إرادة الله تعالى وإنما تكون الشفاعة إكراما للشافع حيث توافق شفاعته

(1) عبدالله السالمي: المشارق: 287.

ملاحظة: وللتوسع في تعريف الشفاعة عند الأشاعرة والمعتزلة والشيعة راجع ما يلي: القرطبي، أحكام القرآن: 1/ 378. الطاهر بن عاشور: التحرير والتنوير 1/ 486. القاضي عبد الجبار: الأصول الخمسة:688. محمد جواد مغنية: التفسير الكاشف:1/ 97.

(2) يقول القاضي عبد الجبار: " ووجه اتصاله (فصل في الشفاعة) بباب الوعيد هو أن هذا أحد شبه المرجئة الذين يوردون علينا طعنا في القول بدوام عقاب الفاسق". الأصول الخمسة: 687.

(3) وقالت المرجئة:" إن موضوع الشفاعة إنما هو لدفع الضرر عن المشفوع له لا غير." القاضي عبد الجبار: الأصول الخمسة:69

(4) القاضي عبد الجبار: الأصول الخمسة: 690.

٦٥٥ / ٩١٨