البعد الحضاري للعقيدة عند الإباضية (نسخة الكتاب المطبوع) فرحات بن علي الجعبيري

الجزء الثاني

الجزء ٢ · صفحة ٦٨٨

رغم لجوء المنكرين إلى تأويل هذا الحديث عند التسليم بصحته جدلا على انه يخص التائبين فإن الرازي لم يعتبره كافيا وحده بل يعتبر أنه في حاجة إلى الأحاديث الأخرى لتعاضده.

والمتأمل في النص يحار في أمر هذا الحديث فهل كان التحوير بالزيادة أو بالنقصان؟ هل وجد النفي فحذف أو لم يوجد فأضيف؟ ولابد من أحد الاحتمالين لكن لا نستطيع أن نجزم جزما نهائيا(1) بهذا ولا بذاك وغاية ما هنالك أن الإباضية جزموا بان النفي دخيل وحتى إن وجد فإمامهم جابر بن زيد يعفي أنس بن مالك من أن يكون قد استعمل كلمة كبائر بمفهومها الاصطلاحي وإنما حمل ذلك الاستعمال على التهويل بمفهوم أن حسنات الفجار سيئات عند الأبرار.

لكن لنا أن نتساءل لماذا لم يتفاوض جابر بن زيد مع أنس بن مالك مع ما بينهما من مودة(2) في شأن هذا الحديث ولو فعلا لأراحا الأمة من داء الاختلاف ولكان القول فصلا؟

أما بقية الأحاديث المستشهد بها عند الطرفين فهي لا تزيد الهوة إلا عمقا وكلما اتسعت رقعة الاختلاف كان لها أثر أوسع في سلوك كل من الطرفين(3).

وبعد التأمل في احتجاج(4) كل من الطرفين- المنكرين والمثبتين-

(1) هذا يحتاج الى عمل خاص وجهد طويل أوسع من هذا العمل.

(2) ر. ترجمة حياة جابر ص 19.ر. الدرجيني: الطبقات 2/ 205.

(3) انظر ما يلي: 754

(4) وقد جاءت الإشارة إلى ضرب من الاحتجاج العقلي عند عمرو التلاتي حيث يقول:" فمن زعم أن الشفاعة تكون لأهل الكبائر لزمه القول بأنهم يدخلون الجنة، وأن الأمة كلها في الجنة، وذلك خلاف ما في الكتاب والسنة من أن الأمة مخلدين في النار وهم أهل الكبائر الميتون عليها غير التائبين منها، ولأنها لو كانت لهم لم يجز سؤال الكون من أهلها لاستلزامه سؤال الكون من أهل النار غير الجائز. شرح النونية ورقة 117 قفا ورقة 118 وجه. عبد العزيز الثميني: النور: 302 وقد وقف عند مثل هذا الاحتجاج عبد الجبار. ر. فضل الاعتزال: 208 - 209 والأصول الخمسة: 688. وقد رد الرازي بشدة على القفال القائل بأنه لا يجوز في حكمة الله تعالى التسوية بين أهل الطاعة وأهل المعصية، ولبين تأثره بالاعتزال مع قلة نصيبه أن مثل هذا الاحتجاج ثانوي تماما في مثل هذه القضية الغيبية.

٦٨٨ / ٩١٨