البعد الحضاري للعقيدة عند الإباضية (نسخة الكتاب المطبوع) فرحات بن علي الجعبيري

الجزء الثاني

الجزء ٢ · صفحة ٧٥٣

إن مثل هذه المواقف من العذاب النعيم لا يقبله الشرع ولا يستسيغه العقل وإلا فكيف يتمنى أهل الجنة لو ذاقوا النار ليشع عليهم نور الجهنميين.

إن مثل هذا يعتبر ضربا من الاستخفاف بالدين ودفعا للناس الى إشباع الشهوات بالمحرمات وهذا ما سنحاول تحليله في البعد الحضاري للقضية.

بعد حرصنا على استيفاء حجج الإباضية في هذه القضية مع مقارنتها بحجج غيرهم من الفرق القائلة بخلف الوعيد وبالخروج من النار نرى من الضروري- كما لمحنا الى ذلك مرات أثناء التحليل- أن نبين البعد الحضاري لهذه المواقف في الأوساط الإباضية في المستوى النظري والمستوى العملي.

المستوى النظري:

أما في المستوى النظري فقد بينا أثناء عرض حججهم أنهم يلحون على عظمة الله تعالى، وأنه ليس كمثله شيء، وبالتالي فثوابه ليس يشبهه ثواب وكذلك عقابه لا يشابهه عقاب، وفي ذلك يقول صاحب المنهج ما يلي: " والحكمة من خلود أهل النار أن العاصي إذا عصى الله فقد عصى ربا عظيما لا نهاية لعظمته، فكذلك عذابه خلود لا نهاية له، ولأن ثواب الله لا يشبهه ثواب، ولا ينقطع، ولا يزول، وعقاب الله لا يشبهه عقاب ولا يزول ولا ينقطع فلو كان لثوابه وعقابه نهاية وحدا ينتهي إليه ثم ينقطع لأشبهه ثواب المخلوقين وعقابهم"(1).

كما وقع الإلحاح على أن القول بخلف الوعيد ينتج عنه فقدان الأوامر والنواهي قيمتها في النصوص الشرعية ذلك لأن من يعتقد إمكانية الخلاص

(1) خميس بن سعيد الرستاقي: المنهج: 1/ 523

٧٥٣ / ٩١٨