التراث العقدي لإباضية المغرب الإسلامي في القرون الثلاثة الهجرية الأولى مصطفى بن محمد بن صالح ابن ادريسو

التراث العقدي لإباضية المغرب الإسلامي في القرون الثلاثة الهجرية الأولى

الجزء ١ · صفحة ١٣

الآراء العقدية لإباضية المغرب الإسلامي

في القرون الثلاثة الهجرية الأولى.

يتميز المذهب الإباضي بعمقه التاريخي، وبمساهمة علمائه في تحديد موقفهم من القضايا الإسلامية المطروحة على الساحة الفكرية منذ الصدر الأول لتأسيس المذهب، ويتميز أيضا بتعدد مناقشات الآراء العقدية بين مختلف كتب الفكر الإسلامي، مما يستوجب التجول في جميعها؛ سواء كانت في العقيدة أوالتفسير أوالفقه أوالتاريخ أوالسير أوالمراسلات، تنقيبا عن موقف عقَدي لعالم، أو تحليلا لرواية تاريخية لأجل استجلاء الرأي العقَدي منها، أو استخراجا لموضوع عقَدي في الحوار الدائر بين المتناظرين.

وسنقوم بعرض الآراء العقدية التي تمكنا من جمعها لعلماء الإباضية المغاربة خلال القرون الثلاثة الهجرية الأولى، مع محاولة المقارنة بعلماء أهل السنة متحريا اختيار من عاش إبان نفس الفترة قدر المستطاع.

أولا: توحيد الله:

يعرِّفه الإمام جابر بن زيد قائلا: «التوحيد معرفة الله، ونفي الأشباه والأمثال عنه، ومن لا يعرف توحيد الله فليس بمؤمن»(1). ويعتبر الإمام أبو عبيدة التوحيد من أفضل العلم(2)، وَأَنَّهُ فرض(3) على كل مُكَلَّف.

فالإباضية يوجبون معرفة توحيد الله، ويقرون أن من تمام التوحيد؛ التوكل على الله حق التوكل، وعدم الرغبة إلى غيره، ولا الاستعانة على أمر الله بأحد سواه، يقول ابن سلام معقِّبا على قوله تعالى: ﴿وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ﴾ (سورة الأنفال: 02): «إذا بنيت رأيك على أمر قد تبيَّن لك رشدُه فتوكل على الله، لا يكون اعتمادك إذا عزمت على جمعك وعُدَّتِك وأصحابِك فإنك لا تطيق إِلاَّ بالله، ولكن التمس النصر والظفر من الله» [ابن سلام: شرائع الدين: 77، 78].

وعندهم كذلك أن توحيد الله يقتضي من العبد أن يتَّجه إلى الله بالعبادة وحده دون سواه، ويَدين له بالطاعة التي شرعها [ابن سلام: شرائع الدين: 61]؛ لأن قوله: «لا إله إِلاَّ هو يعني: لا معبود سواه» [هود بن محكَّم: تفسير كتاب الله العزيز: 4/ 54]، وعليه أن يوحده توحيد ربوبية(4)، فيعترف له بالحاكمية على العالمين، وبملكوته على الناس. وهذا في نظرنا نفس ما ذهب إليه أهل السنة في تعريف، فهذا ابن تيمية يقول: «فهو التوحيد الذي بعث الله به رسوله صلى الله عليه وسلم وأنزل به كتابه هو عبادة الله وحده لا شريك له وهو توحيد ألوهيته المتضمن توحيد ربوبيته كما قال تعالى: ﴿وَإِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ﴾ (سورة البقرة: 185)»(5).

ثانيا: الإيمان بأسماء الله وصفاته

1 - الإسمان بأسماء الله الحسنى:

شرع الله لعباده الدعاء بأسمائه الحسنى التي يناجي بها العبد ربه وتليق بعظمته عز وجل فقال تعالى: ﴿وَلِلَّهِ الأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فاَدْعُوهُ بِهَا﴾ (سورة الأعراف: 180)، ومما يتعلق بالإيمان بأسماء الله الحسنى مسألة قدم أسمائه تعالى، حيث أثيرت المسألة بين الإِبَاضِيَّة والنكار من منطلق الخلاف في التعريف اللغوي للفظ الاسم، فمن ذهب إلى أن الاسم مشتق من السمُوِّ وهو الرفعة(6)، رأى أن أسماء الله قديمة(7)، ومن قال: إِنَّهُ مشتق من السمة ـ وهي العلامة(8) ـ يقول: «كان الله تعالى في الأزل بلا اسم ولا صفة، فَلَمَّا خلق الخلق جعلوا له أسماء وصفات»(9)، وهو رأي النكار الذين ذهبوا إلى أن أسماء الله تعالى مخلوقة(10). وقد رفض الإِبَاضِيَّة رأي النكار في أسماء الله وحكموا عليهم بالكفر والإلحاد(11)، ولقبوهم بالفرقة الملحدة حين ألحدوا في أسماء الله من قوله تعالى: ﴿وَذَرُوا الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي أَسْمَائِهِ سَيُجْزَوْنَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ (سورة الأعراف: 180)(12)، وللأسف لم نتوصل إلى معرفة مستند

(1) محبوب بن الرحيل: مسائل ملتقطات من جزء منسوب إلى أبي سفيان: الثامن ضمن مجموع تحت رقم: م82 في مكتبة الشيخ صالح لعلي ببني يزقن، 6و؛ انظر: ترتيب المسند: 1/ 12، ح:28.

(2) مسائل أبي عبيدة (مخ):169.

(3) المصدر نفسه: 163.

(4) البرادي: الجواهر المنتقاة: 203.

(5) ابن تيمية: العقيدة الأصفهانية: تحقيق: إبراهيم سعيداي، مكتبة الرشد: الرياض: 1415هـ، ص: 2/ 42.

(6) ابن منظور: لسان العرب: دار صادر، بيروت. ج14 ص 401.

(7) أبو عبيدة: مسائل أبي عبيدة (مخ): 159.

(8) لم أجد في معاجم اللغة التي اطلعت عليها التي أوردت هذا الاشتقاق، لكن الجعبيري: البعد الحضاري: 1/ 213 نقلا عن أبي ستة في حاشية كتاب الوضع: 37، ذكر أن هذا هو مذهب الكوفيين؛ علما أن ابن منظور أشار إلى أن السمة هي العلامة دون أن يذكر اشتقاق الاسم من السمة، انظر: لسان العرب: 12/ 419.

(9) الحعبيري: البعد الحضاري: 1/ 213، نقلا عن أبي ستة: حاشية على كتاب الوضع: 37.

(10) القطب: جواب لأهل زوارة: 04.

(11) السوفي: رسالة في الفرق: 295.

(12) أبو زكرياء: سير أبي زكرياء: 1/ 95.

١٣ / ٢٦