التراث العقدي لإباضية المغرب الإسلامي في القرون الثلاثة الهجرية الأولى
الجزء ١ · صفحة ١الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على الرسول الأمين،
وعلى آله وصحبه أجمعين، وعلى من تبعه بإحسان إلى يوم الدين.
السلام عليكم ورحمة الله تعالى وبركاته، وبعد؛
يشكل الرصيد العلمي والمعرفي لعلماء الأمة الإسلامية طريقا للوصول إلى معرفة الله تبارك وتعالى، وسبيلا للتعامل المنضبط مع كتاب الله وسنة رسوله محمد - صلى الله عليه وسلم -، فبرزت على إثر ذلك اجتهادات لمختلف العلماء تسعى إلى إيضاح وبيان مجمل النصوص ومتشابها، وترمي إلى صقل حياة المسلم بالشرع الحنيف، من باب قوله تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطاً لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيداً﴾ (البقرة:143).
وكان لعلماء المغرب الإسلامي والجزائر مساهمة معتبرة في تحقيق هذه الأهداف، لأجل غاية إرضاء الله تبارك وتعالى، ولأجل الحفاظ على جوهر الإسلام والدعوة إليه بالحسنى؛ كل على حسب فهمه ورصيده المعرفي، وعلى حسب تأثير البيئة والظروف المحيطة به، فجاءت إنتاجاتهم العقدية متنوعة، وبدت تحليلاتهم للقضايا الكلامية مختلفة ومتضاربة في بعض الأحيان، مما يستدعي مراجعتها من خلال مصادرهم الأصلية، ودراستها وفق ضوابط موضوعية ومجردة، فنستفيد من تراثهم الأصيل، ونثمن مواطن القوة في تفكيرهم، ونصحح ما بدا لنا أنه في حاجة إلى تصحيح، وذلك بأسلوب هادئ، وحوار متزن، حتى نتجنب هدر الطاقات، ونحترز من النزاع والصراع، الذي يخدم مصالح أعداء الإسلام، يقول الله تعالى: ﴿وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ وَاصْبِرُوا إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ﴾ (لأنفال:46).
وإني سأحاول جاهدا أن أبرز تراث علماء المدرسة الإباضية الذين اجتهدوا في التمكين للعقيدة الإسلامية في المغرب الإسلامي والجزائر خلال القرون الثلاثة الهجرية، وألفوا كتبا تبين لمجتمعاتهم علاقة الفرد المسلم بربه في اعتقاده وعبادته وحياته، وتقدم الاعتقاد الصحيح بخالقهم حتى يتجلى أثر ذلك في سلوكهم وفي حياتهم الاجتماعية والثقافية والسياسية، وسأبدأ حدثي بعرض المؤلفات ثم الآراء العقدية(1).
(1) المصادر المعتمدة كثيرا في البحث نوردها في المتن بين معكوفين.