تفسير سورة العصر أحمد بن حمد بن سليمان الخليلي

تفسير سورة العصر لأحمد الخليلي

الجزء ١ · صفحة ١١

ولكن إن وجدت العقيدة الراسخة في النفس، ووجهت الإنسان الوجهة الصحيحة التي أمره الله عز وجل أن يتجهها، إستطاع هذا الإنسان أن يستعلي على رغبات نفسه، وأن يسيطر على نزواته، وأن يرعى مصالح الآخرين من جنسه كما يرعى مصالح نفسه. وبصرته هذه العقيدة بأن مصلحته ليست هي في الإستبداد والأنانية، وإنما مصلحته في أن يحب الخير لغيره كما يحبه لنفسه.

وهذه الأسباب التي تنتشل الإنسان من هذا الخسران في الدنيا ومما يترتب عليه من الخسران في الدار الآخرة إنما هي أربعة أسباب ذكرها الله سبحانه وتعالى في هذه السورة. ونحن نحاول أن نتحدث عن هذه الأسباب بشيء من الإيجاز.

السبب الأول هو الإيمان. والإيمان عنصر فعال في حياة الإنسان؛ وبدون الإيمان يفقد الإنسان كل قيمة من قيمه، كما أنه يصبح في هذه الحياة حائرا مترددا لا يعرف من أين جاء، ولا إلى أين يذهب، وماذا عليه أن يعمل في حياته هذه التي هي بين المبدأ والمصير.

ولكن الإيمان هو الذي يحل كل هذه الألغاز، وهو الذي يبصره بأمره، هو الذي يرفع حيرته، هو الذي ينتشله من هذا الضياع. وحسبكم دليلا على قوة الإيمان الفاعلة تأثير هذا الإيمان في سحرة فرعون. ماذا كان هدفهم قبل أن يلامس الإيمان شغاف قلوبهم، وما هو مطمع أبصارهم آنذاك؟ قد كان همهم محصورا في المنافع المادية فحسب، ولذلك قالوا لفرعون عندما جاءوا إليه: (( أئن لنا لأجرا إن كنا نحن الغالبين)). ولكن عندما وقر الإيمان في قلوبهم، وفتح بصائرهم، وأرهف حسهم، وبصرهم بحقيقة هذه الحياة، وحقيقة ما بعدها، ماذا قالوا لفرعون مصر؟ قالوا له: (( لن نؤثرك على ما جاءنا من البينات والذي فطرنا فاقض ما أنت قاض إنما تقضي هذه الحياة الدنيا)).

١١ / ٣٠