تفسير سورة العصر أحمد بن حمد بن سليمان الخليلي

تفسير سورة العصر لأحمد الخليلي

الجزء ١ · صفحة ١٣

هذا الإيمان هو الذي جعل المهاجرين لا يبالون بما يتركونه وراء ظهورهم من مال وأهل وولد في سبيل نصرة الله ورسوله. وهذا الإيمان هو الذي جعل الأنصار تتفتح قلوبهم لاستقبال إخوانهم المهاجرين في دار الهجرة مع أنها دار محدودة المساحة ومحدودة الموارد، ومن شأن الناس أن يضيقوا ذرعا بالمهاجرين، لأنهم يشاركونهم في خيراتهم ويضايقونهم في أرضهم. ولكن الأنصار كانوا بخلاف ذلك، فكانوا يحبون من هاجر إليهم، وقد أثنى الله عز وجل على هؤلاء وهؤلاء ثناء يتلى بلسان الدهر ما بقي الدهر، حيث قال: (( للفقراء المهاجرين الذين أخرجوا من ديارهم وأموالهم يبتغون فضلا من الله ورضوانا وينصرون الله ورسوله أولئك هم الصادقون * والذين تبوأوا الدار والإيمان من قبلهم يحبون من هاجر إليهم ولا يجدون في صدورهم حاجة مما أوتوا ويؤثرون على أنفسهم ولو كان بهم خصاصة)) أي وصف أبلغ من هذا الوصف!! كيف أخرج هذا الإيمان جيلا من البشر كأنما هم مخالفون للبشر في طباعهم، أو كأن هذا الإيمان طوى هؤلاء الناس طيا، ونشرهم بعد ذلك نشرا بطباع غير طباعهم، وصفات غير صفاتهم.

هذا الإيمان هو الذي جعل الخنساء تحمد الله تبارك وتعالى على أن تقبل أولادها شهداء في سبيله بعدما كانت تنوح على أخيها ذلك النواح، وتلبس الصدار وتشق الجيب، وتحلق الشعر وتفعل ما تفعله من أجل موت أخيها!! هذا الإيمان هو الذي ألف بين العرب والعجم، فتآخوا في سبيل الله مترابطين من أجل نصرة الله تبارك وتعالى ونصرة رسوله – صلى الله عليه وسلم- من غير التفات إلى تمييز أو عنصرية.

فما هو هذا الإيمان الذي يقيم الإنسان في حياته على نهج سوي ثم بعد ذلك يكفل له السعادة في الدار الآخرة؟؟

١٣ / ٣٠