تفسير سورة العصر أحمد بن حمد بن سليمان الخليلي

تفسير سورة العصر لأحمد الخليلي

الجزء ١ · صفحة ١٨

ويبين النبي صلى الله عليه وسلم حالة المؤمن فيقول كما جاء في الصحيحين في رواية أنس أيضا: " لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه "، والحديث يجسد الحالة التي يكون عليها المؤمنون ،كيف يؤاخي هذا الإيمان بين عباد الله المؤمنين حتى يكونوا جميعا قلوبهم كقلب رجل واحد، وقد مثل النبي صلى الله عليه وسلم ذلك أروع التمثيل عندما قال: " مثل المؤمنين في توادهم وتراحمهم وتعاطفهم كمثل الجسد إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالحمى والسهر ".

فإذن نستخلص من ذلك أن الإيمان هو عقيدة راسخة يتفاعل معها المؤمن حتى تكون أعماله كلها ترجمة لهذا الإيمان وتصديقا له. فليس من الإيمان في شيء أن يؤثر الإنسان هوى نفسه على طاعة ربه، وأن يحرص على أن يستبد بالمصلحة لنفسه وينسى إخوانه في ذات ربه فإن ذلك مما ينافي هذا الإيمان، وحسبكم أن السلف الصالح كانوا يعدون مخالفة أوامر الله سبحانه وتعالى منافية للإيمان في أي شيء، فعندما أبصرت أم المؤمنين عائشة رضي الله تعالى عنها إمرأة قد لبست ثيابا رقاقا، قالت: (ما آمنت بسورة النور إمرأة تلبس هذي الثياب). ومصداق ذلك في كتاب الله عز وجل، فإن الله عز وجل عندما ذكر بني إسرائيل وذكر قبولهم لما جاء في بعض التوراة، وإعراضهم عن بعض ما جاء فيها قال: (( أفتؤمنون ببعض الكتاب وتكفرون ببعض))، فجعل هذا الرفض لبعض أوامر الله سبحانه وتعالى في الكتاب كفرا بالكتاب.

وإذا عدنا إلى ما يقوله السلف الصالح في الإيمان نجد أن آراء السلف منطبقة تمام الإنطباق على مفهوم الإيمان في الكتاب ومفهوم الإيمان في السنة النبوية، فقد أخرج أبو القاسم ( الدالجائي) بسنده إلى الإمام البخاري أنه قال: ( أدركت نحو ألف من السلف وما وجدتهم يختلفون في كون الإيمان قولا وعملا )، أي علماء السلف هكذا كانوا يرون أن الإيمان قول وعمل. وذكر الحافظ ابن كثير في تفسيره أن غير واحد من علماء السلف حتى انعقاد الإجماع على ذلك.

١٨ / ٣٠