تفسير سورة العصر أحمد بن حمد بن سليمان الخليلي

تفسير سورة العصر لأحمد الخليلي

الجزء ١ · صفحة ٢٤

والأعمال الصالحة إنما تقاس بمقاييس الحق التي أنزلها الله سبحانه، وتوزن بموازين العدل، فالعمل الصالح لا يرجع إلى مقاييس البشر؛ ذلك لأن عقول البشر القاصرة هي أقل وأحقر من أن تستطيع أن تحدد العمل الصالح، فإن العقول البشرية لا يمكن أن تكتنف جميع الحقائق. والعقل هو طاقة محدودة كما أن البصر طاقة محدودة، فالبصر يبصر الشيء القريب ولا يبصر الشيء البعيد، ويبصر ظواهر الأشياء دون بواطنها، وتحول بينه الحواجز عن إبصار ما وراءها. فكذلك العقل، العقل طاقة محدودة. هنالك حواجز نفسية تحول بين هذا العقل وبين الوصول إلى كثير من الحقائق. ويستطيع أن يدرك ما كان قريبا منه ، ولكن لا يستطيع أن يدرك ما كان بعيدا عنه. والعقل البشري يتأثر بمؤثرات كثيرة منها مؤثرات نفسية، ومنها مؤثرات إجتماعية، ولذلك فإن البشر يتفاوتون في الإستحسان والإستقباح، فقد تستحسن طائفة من الناس عاشت في بيئة معينة أمرا معينا، وتستقبح ذلك الأمر نفسه طائفة أخرى عاشت في بيئة أخرى، وذلك لتأثير البيئة.وقد تكون هذه العوامل المؤثرة نفسيا، فيختلف إثنان في الإستحسان والإستقباح، مع أنهما نشآ في بيئة واحدة وتربيا في بيئة واحدة.

وإذا كان الأمر كذلك فلا بد من أن يكون تحديد العمل من غير هذا العقل البشري القاصر المحدود، أي تحديد العمل الصالح. فالتمييز ما بين العمل الصالح والعمل الفاسد إنما يرجع إلى شريعة الله سبحانه وتعالى، فما وافق الحق الذي أنزله الله سبحانه وتعالى هو من الأعمال الصالحة، وما خالف الحق الذي أنزله الله سبحانه وتعالى هو من الأعمال السيئة.

٢٤ / ٣٠