جواهر التفسير .. أنوار من بيان التنزيل (نسخة ب، 1447ص)
الجزء ٣ · صفحة ٢٦٢لا أقول إن هذا الخطاب إيماء أو إشارة للمخاطبين بأن يستحضروا تأريخ أمتهم الماضي ليتذكروا صنع الله تعالى فيهم فيعتبروا بما أصابهم من نعماء وضراء ، وسعادة وشقاء ، ويتفكروا فيما حل بهم من بعدهم وما ينتظر أن يحل بهم ، وإنما الكلام نص صريح لا يحتاج إلى التأويل ، فالروابط الاجتماعية بين أفراد الأمم وجماعاتها كالروابط الحيوية بين أعضاء الشخص الواحد بلا فرق ، تعثر الرجل فتخدش أو توثأ ، والألم يلم بالشخص كله من حيث هو شخص حي بحياة واحدة تستوي فيها رجله وسائر أعضائه ، ولذلك يسعى بجملته لإزالة ألم الرجل ويتوقى أسباب العثار بعد ذلك مستعينا بكل أعضائه وقواه(5) .
و التنجية التخليص من الأذى ، وأصلها - عند القرطبي - الإلقاء على نجوة من الأرض ، وعند غيره هي الأصل وأخذت منها النجوة لارتفاعها و خلوصها عن سائر الأرض ، ولأنها مظنة النجاة .
والآل هم الأهل والعشيرة والأتباع وليس خاصا بذوي القرابة النسبية ، والدليل على شموله التباع هذه الآية وأمثالها ، فإنه مما يدرك بداهة أن الذين كانوا يسومون بني إسرائيل الخسف وينزلون بهم سوء العذاب لم يكونوا خاصة فرعون فحسب بل هم جميع أتباعه ، كما أن الذين عوقبوا بالغرق مع فرعون ما كانوا ذوي قرابته وحدهم بل جميع جنوده كما نص عليه قوله تعالى : ( فأخذناه وجنوده)(6 ، ويدل أيضا على شمول الآل لجميع الأتباع قول() … الآية النبي صلى الله عليه وسلم : ( آل محمد كل تقي ) ، وقد أجاد الإمام اللغوي نشوان ابن سعيد الحميري صاحب شمس العلوم حيث قال :
ولأجل دلالته على التبعية خصت إضافته - عند بعض - إلى من كان ذا مكانة لفضله وصلاحه ، أو لقوته ونفوذه ، فمن الأول آل النبي ، ومن الثاني آل فرعون ، وبما أن فرعون نفسه كان مصدر بلاء بني إسرائيل لأنه هو الذي مكن لآله من سومهم سوء العذاب وأمرهم به يتبادر هنا سؤال ، لم جعلت النجاة منهم ولم تجعل منه ؟