جواهر التفسير .. أنوار من بيان التنزيل (نسخة ب، 1447ص) أحمد بن حمد بن سليمان الخليلي

جواهر التفسير .. أنوار من بيان التنزيل (نسخة ب، 1447ص)

الجزء ٣ · صفحة ٢٦٤

وبداية الوجود الإسرائيلي بمصر كانت بدخول يوسف عليه السلام فيها الذي مكن الله له في أرضها حتى أصبح عزيزها ، وانضم إليه أبوه يعقوب عليه السلام - وهو إسرائيل - ومعه بنوه ، فكانوا نواة للمجتمع الإسرائيلي ، بأرض الكنانة ، وقد جعل الله في ذريتهم البركة فتناموا حتى بلغ عددهم - فيما قيل - حال خروجهم من مصر نحو ستمائة ألف مع أن مدة بقائهم فيها نحو أربعمائة عام ، وقد كانوا بداية الأمر على وفاق مع المصريين غير أن نمو عددهم المتزايد وبقاءهم محافظين على عاداتهم وعباداتهم غير ذائبين في الشعب المصري ، كان ذلك كله مصدر قلق للمصريين إذ لم يأمنوا أن يصبحوا في يوم من الأيام أكثر عددا وأقوى عدة مع احتمال ارتباطهم بالشعوب المجاورة التي كانت تثور في وجه فرعون مصر فيخمد ثوراتها بعنف تنتج عنه خسائر فادحة في ماله ورجاله ، ومن بين هذه الشعوب الكائنة بأطراف جزيرة العرب ، وهذا الذي دعا فرعون وآله إلى التفكير في وسائل التخلص منهم ليأمنوا هذا الجانب ، فأخذوا يستذلونهم ويكلفونهم من مشاق الأعمال ما لا تقواه نفوسهم وأجسادهم رجاء انقراضهم بقلة نسلهم ، وتفشى الأمراض والموت فيهم ، ولكن - لأمر أراده الله - كانوا مع ذلك يتكاثرون ، ولم يمت في نفوسهم الشعور بالعزة والإباء لاعتقادهم أنهم شعب الله وصفوته من خلقه ، وقد كان بقاء هذه القوة المعنوية في نفوسهم شبحا مخيفا يتراءاه آل فرعون لأن انقراض الشعوب أو الأمم إنما يكون بموت معنوياتها ، وإذا بقيت المعنويات فلا مطمع في انقراضها رغم التعذيب البدني والتصفية الجسدية .

١٬٠٨٣ / ١٬٤٤٧