جواهر التفسير .. أنوار من بيان التنزيل (نسخة ب، 1447ص)
الجزء ٣ · صفحة ٢٧٨ويستفاد مما قاله أنه لا يستبعد صحة مقالة هؤلاء المتأولين ما داموا يحملون هذه الآيات الكونية المتفقة مع سنن الوجود على أن فيها تأييدا للرسل صلوات الله وسلامه عليهم، وهذا جرى على ما عهد منه من حمله كثيرا من هذه الأخبار الغيبية على ما يتفق مع الأحوال المألوفة للناس وإن أفضي ذلك إلى التكلف الممقوت في حمل ألفاظ القرآن على ما لا تنسجم معه من المعاني، وحسبكم دليلا على بطلان هذا التأويل وتعذره إذا ما قسناه على الحالة الطبعية المعهودة للماء إذا خيض فيه فإنه لم يعهد منه انقسامه إلى شطرين كل شطر على جانب الخائضين كالطود العظيم، بل من طبع الماء الانسياب في الفرج بين أقدام الماشين فيه، وتساوي سطحه من كل جانب، ومما يؤكد بطلان تأويله قوله تعالى: ( ولقد أوحينا إلى موسى أن أسر بعبادي فاضرب لهم طريقا في البحر يبسا )(22) ، فإنه نص في أن انشقاق الطريق لهم كان بضرب موسى البحر، وأنهم اجتازوا مكانا يبسا لا ماء فيه.
هذا، وقد امتلأت كتب التفسير بروايات متعددة متناقضة في وصف قصة نجاة موسى ومن معه، وغرق فرعون وآله، وقد نص ابن عطية وأبو حيان والألوسي في تفاسيرهم على أن هذه الروايات لا تعتضد بشاهد من الكتاب ولا الأحاديث الصحيحة غير أنهم مع ما قالوه لم تسلم تفاسيرهم من شوائبها، ومن ذلك قول أبي حيان: ( ولم يختلفوا في أن فرق البحر كان بعدد الأسباط اثنا عشر مسلكا )(23) ، وحمل عليه قراءة الزهري ( فرقناه وهي قراءة شاذة تخالفها جميع القراءات العشر، فليست موضعا للاستدلال على أن ابن عاشور حملها في تفسيره على مراعاة شدة الاتصال بين أجزاء المفرق، وذلك يستدعي شدة التفرقة، وإنما اتفقت القراءات العشر على التخفيف بما فيه من النظر إلى عظيم قدرة الله تعالى، فكان ذلك الفرق الشديد خفيفا(24) .