جواهر التفسير .. أنوار من بيان التنزيل (نسخة ب، 1447ص)
الجزء ٣ · صفحة ٣٠٥هذه حلقة في سلسلة عنادهم المتطاول، وضرب من ضروب إخلادهم إلى الأباطيل في مواجهة الحق المبين، والحقيقة الناصعة، فإنهم لم يكتفوا بما شاهدوه رأى العين من معجزات موسى الباهرة، وحججه القاهرة، التي يطمئن إليها كل ذي لب، ويهتدي بها كل من كان له قلب، أو ألقى السمع وهو شهيد، حتى جاروا بهذا المطلب الذي لا يصدر إلا ممن لم يقدروا الله حق قدره، ولم يصفوه بما هو له أهل من صفات الجلال والكبرياء وفي طي تذكيرهم بهذه الجريمة النكراء تذكير بنعمة أخرى من نعم الله المتلاحقة عليهم، وهي تداركهم باللطف بعدما حاق بهم العقاب الأليم اللائق بسوء ما ارتكبوه، ومحط هذا الامتنان قوله: ( ثم بعثناكم ).
وتعدية نؤمن باللام لتضمنه معنى نقر، والمراد بعدم إيمانهم له عدم إيمانهم بما أنزل عليه من الكتاب، أو بأنه رسول الله، أو بأن الله كلمه تكليما.
والجهرة هنا بمعنى العلانية كما أخرجه ابن جرير عن ابن عباس رضي الله عنهما، وأخرج عن الربيع وقتادة أنه بمعنى العيان، والمؤدى واحد، وإنما أورثت كلمة ( جهرة ) على غيرها مما يؤدي مؤداها لتلاؤمها مع ما سبقها ولحقها في النظم، بجانب ما توحيه من وصف التعنت الذي كانوا عليه، وأصلها بمعنى الظهور، ومنه الجهر بالقراءة.
وانتصابها على المصدرية التأكيدية، فهي تجتث توهم أن تكون الرؤية المطلوبة منامية أو قلبية، وهذا أولى من دعوى أن النصب على الحالية بمعنى جاهرين بالرؤية، أو تقدير محذوف، أي ذوي جهرة.
واختلف في أصحاب هذه المقالة؛ فقيل: هم السبعون الذين اختارهم لميقات ربه، وقيل كانوا عشرة آلاف من بني إسرائيل، والأول أصح لقوله تعالى: ( واختار موسى قومه سبعين رجلاً لميقاتهم فلما أخذتهم الرجفة قال رب لو شئت أهلكتهم من قبلُ وإياي )(2) .