جواهر التفسير .. أنوار من بيان التنزيل (نسخة ب، 1447ص) أحمد بن حمد بن سليمان الخليلي

جواهر التفسير .. أنوار من بيان التنزيل (نسخة ب، 1447ص)

الجزء ٣ · صفحة ٣٥٤

الآية تضع أمامنا صورة من صور التعنت الإسرائيلي، وضربا من ضروب الانحراف الفكري والسلوكي عند اليهود، فبعد أن أطلقهم الله من قيود الذل وأغلال الهوان الذي كابدوه ردحا من الزمن في ظل الحكم الفرعوني الرهيب، ونقلهم إلى فسيح الحرية ومشارف العز اشتاقت نفوسهم المأفونة إلى حيث كانوا، مؤثرين التمرغ في أوحال الهوان والانغماس في حمأة الذل مرة أخرى على ما هم فيه من بحبوحة الخير، ورفعة القدر، ونعمة الحرية، وفي هذا يقول الزمخشري:

( كانوا فلاحة فنزعوا إلى عكرمهم، فأجمعوا ما كانوا فيه من النعمة وطلبت أنفسهم الشقاء )(2) .

وأصل هذا الكلام مروي عن قتادة؛ ورده الأستاذ الإمام بأنه لو كان الحامل لهم على ذلك هو تمكين العادة من نفوسهم فلما خرجوا منها وجاءهم ما لم يكونوا يألفون نزعوا إلى ما كانوا قد عودوه من قبل، لكان في ذلك التماس عذر لهم، ولما وعد الله هذا القول في أخطائهم، لأن السآمة من تناول طعام واحد قد يكون من لوازم الطباع البشرية إلا ما شذ منها لعادة أو ضرورة، ولا يعد ما هو من منازع الطباع حراما إذ لم ييسقط ذلك في محظور.

ثم قال: وسياق الآيات قبلها وما يلحق بعد ذلك من قوله تعالى: ( وإذ أخذنا ميثاقكم.......الخ )كل ذلك يدل على أن ما عُدد من أفاعيلهم مع تظافر الآيات بين أيديهم، وتوارد نعم الله عليهم كله من خطاياهم، ومن ذلك قوله تعالى: ( وإذ قلتم يا موسى لن نصبر على طعام واحد فادع لنا ربك يخرج لنا مما تنبت الأرض من بقلها وقثائها وفومها وعدسها وبصلها )ويؤكد ذلك إيراد تلك العقوبة الشديدة من ضرب الذلة والمسكنة، واستحقاق غضب الله تعالى عقب مقالهم هذا ).

١٬١٧٣ / ١٬٤٤٧