جواهر التفسير .. أنوار من بيان التنزيل (نسخة ب، 1447ص)
الجزء ٣ · صفحة ٣٥٧وذهب أبو حيان مذهب الفخر، وأورد معاني كلامه من غير أن يغزوه إليه(5) . وهذا يتنافى مع ما قرره في خاتمة تفسير الآية الكريمة من أنهم تبرموا من الرزق الذي امتن به عليهم فلجوا في طلب ما كان مألوفهم إلى نبيهم، وأنهم وُبِّخوا على ما سألوه من استبدال الخسيس بالنفيس......الخ(6).
وتوسط ابن عاشور بين المذهبين، إذ اعتبر المحكي عنهم دالا على سوء اختيارهم في شهواتهم- والاختيار دليل عقل اللبيب وإن كان يختار مباحا- مع ما في صيغة طلبهم من الجفاء وقلة الأدب مع الرسول ومع المنعم، إذ قالوا: ( لن نصبر )فعبروا عن تناول المن والسلوى بالصبر المستلزم للكراهية، وأتوا بما دل عليه ( لن ) في حكاية كلامهم من أنهم لا يتناولون المن والسلوى من الآن، فإذا لن تدخل على استغراب النفي لأزمنة فعل نصبر من أولها إلى آخرها وهو معنى التأبيد، وفي ذلك إلجاء لموسى أن يبادر بالسؤال، يظنون أنهم أيأسوه من قبول المن السلوى بعد ذلك الحين، فكان جواب الله لهم في هذه الطلبة أن قطع عنايته بهم، وأهملهم ووكلهم إلى نفوسهم، ولم يرهم ما عودهم من إنزال الطعام وتفجير العيون بعد فلق البحر وتظليل الغمام بل قال: ( اهبطوا مصر )فأمرهم بالسعي لأنفسهم وكفى بذلك تأديبا وتوبيخا.
ثم قال: ( والمقصد من هذا أن ينتقل من تعداد النعم إلى بيان تلقيهم لها بالاستخلاف لينتقل من ذلك إلى ذكر انقلاب أحوالهم وأسباب خذلانهم، وليس شيء من ذلك بمقتضى كون السؤال معصية، فإن العقوبات الدنيوية وحرمان الفضائل ليست من آثار خطاب التكلف، ولكنها من أشباه خطاب الوضع ترجع إلى ترتب المسببات، على أسبابها، وذلك من نواميس نظام العالم، وإنما الذي يدل على كون المجزي عليه معصية هو العقاب الأخروي)(7) .