جواهر التفسير .. أنوار من بيان التنزيل (نسخة ب، 1447ص) أحمد بن حمد بن سليمان الخليلي

جواهر التفسير .. أنوار من بيان التنزيل (نسخة ب، 1447ص)

الجزء ٣ · صفحة ٣٦٧

والمسكنة ما ظهر من أن هذا الخلق على البدن من السكون والانزواء اللذين يشيان بالرضى بما يلحق النفس من إذلال المستعبد الجبار وسمى الفقر مسكنة، لأن من شأنه أن يقلل حركة صاحبه؛ وهاتان الصفتان من أسباب خور العزيمة ودنو الهمة وتلاشي القوة فلذلك كانتا مكروهتين للمسلم لأنهما لا تليقان بمكانته التي اختاره الله لها، والأمانة التي حمله إياها، ( ولله العزة ولرسوله وللمؤمنين )(22) .

واليهود من أشد الناس مسكنة وذلة، وقد سلط الله عليهم الأمم، وكتب عليهم الهوان، بعدما أنعم عليهم بالملك والنبوة، فبدلوا نعمة الله كفرا، وجاهروا بمعصية، ولم يتناهوا عن منكر فعلوه، فقد أغارت عليهم المجوس مرتين ذاقوا فيهما مُرَّ العذاب، فقد قُتِّل رجالهم، وسبيت نساؤهم، واسترقت ذريتهم، ثم وقعوا بعد ذلك تحت نير الحكم الروماني الذي لا يرحم فصُب عليهم العذاب صبا، واستمروا يرزحون تحت وطأة الذل في كل العهود الغابرة حتى جاء العهد النازي القاسي فملأ بهم الأفران، وجعل جثثهم مختبرا لكل تجربة في العذاب، وإنما ابتلى الله بهم عباده المسلمين لتفريطهم في دينهم، واستوائهم معهم في معصية الله، والإعراض عما أنزل من الهدى، وهكذا يسلط الله من يشاء على من يشاء تأديبا لتكون في ذلك ذكرى لأولي الألباب.

وحمل كثير من المفسرين- أو أكثرهم- الذلة على الجزية التي فرضها الله عليهم في الإسلام، وهو تفسير بعيد لتنوع بلائهم وتلون ذلهم في جميع العصور المتعاقبة منذ أن بدأ عقاب الله يحيق بهم، ولم تكون الجزية مضروبة عليهم في جميع الأزمان.

والبوء بمعنى الرجوع كالأوب، والمراد ببيوئهم بغضب من الله انقلابهم إليه، وقد سبق معنى الغضب.

١٬١٨٦ / ١٬٤٤٧