جواهر التفسير .. أنوار من بيان التنزيل (نسخة ب، 1447ص)
الجزء ٣ · صفحة ٣٩٩وهذا التحايل نظير تحايلهم على شحوم الإبل والبقر التي حرمها الله عليهم فأخذوها وجمدوها وباعوها وأكلوا أثمانها، وقد لعنهم الله على ذلك على لسان رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وكفى بهذا شاهدا على عظم جرم المتحايلين على الله باستحلال ما حرم أو أسقاط ما أوجب كالذين يتحايلون على الربا بمختلف الذرائع، أو يتحايلون على إسقاط الزكاة بتمليك الغير ونحوه، أولا يدري أولئك أنهم يخادعون الذي لا تخفى عليه خافية في الأرض ولا في السماء: ( وما يخدعون إلا أنفسهم وما يشعرون )7، وما أحمق وأضل من سولت له نفسه مثل هذا الخداع غير مكترث بما يترتب عليه من شر المآل في الدنيا والآخرة، ولعمري إن من يجتزئ على حرمات الله بإتباع هذه المسالك الملتوية لا تقف به قدمه حتى يأتي الحرام الصريح جهرا، كما انتهى الأمر ببني إسرائيل الذي تحايلوا على الصيد في السبت ثم لم يلبثوا حتى صادوا علنا وباعوا في الأسواق.
والأصل في الاعتقاد تجاوز حد السير مأخوذ من العدو وتعورف على إطلاقه في مجاوزة الحدود التي سنها الشرع أو العرف، ولذا أطلق على العسف والظلم وعدم المبالاة بحقوق الغير لما في ذلك من الانطلاق من القيود الدينية والاجتماعية، وهو شرعا مخالفة أمر الله ونواهيه بترك ما أوجب أو ارتكاب ما حرم لأنها بمثابة الحدود لما يؤتي وما يترك.
والسبت هو اليوم المعروف، وأصله القطع، سُمي بذلك لأن الله سبت فيه خلق كل شيء إذ فرغ من خلق السماوات والأرض يوم الجمعة – على ما قيل – واشتق منه سبت اليهودي إذا عظم يوم السبت، وقيل تسمية اليوم به مأخوذة من سبت بمعنى عظم، وعُضد هذا القول بأن العرب كانت تسمى أيام الأسبوع بغير هذه الأسماء المعهودة وإنما نشأت هذه الأسماء بعدما شاعت المصطلحات الدينية عندهم، ويحتمل أن يكون في الآية اسما لليوم أو مصدرا، وعلى الأول فاعتداؤهم في حكم السبت، وعلى الثاني في نفس السبت – وهو التعظيم – لعدم وفائهم به.