جواهر التفسير .. أنوار من بيان التنزيل (نسخة ب، 1447ص) أحمد بن حمد بن سليمان الخليلي

جواهر التفسير .. أنوار من بيان التنزيل (نسخة ب، 1447ص)

الجزء ٣ · صفحة ٤١٥

ولم يقنعوا بهذا البيان فأردفوا السؤالين السابقين بسؤال ثالث هو من حيث الصيغة لا يختلف عن الأول: ( داع لنا ربك يبين لنا ما هي )، غير أنه له مضمون آخر غير المضمون السابق، وهو حال البقرة من حيثية التعامل معها هل هي مذللة أو مدللة، وقد أحسوا – وهم يوجهون هذا السؤال إلى موسى عليه السلام بما يتفاعل في نفسه من الأسى والحسرة على هذا التقصي في البحث فاعتذروا إليه بقولهم: ( إن البقر تشابه علينا )وأردفوه قولهم: ( وإنا إن شاء الله لمهتدون )لينشط في دعائه ربه بأن يبين لهم ما يطلبون ولينجلي عن قلبه غيم السآمة من مراجعتهم المتتابعة برجائه امتثالهم الذي أخذت تظهر تباشيره وتزحف طلائعه لا سيما أنهم جاءوا بما لم يعهد منهم من قيل من لطف القول، وحسن الوعد، ورعاية جانب مشيئة الله سبحانه فيما هم طامعون فيه من الهداية.

وقد علم الله ماذا يعنون بمسألتهم فأجابهم بما يشفي غليلهم وهو أن تلك البقرة من النوع المدلل من الحيوان فهي ليست ذلولا، والذلول ما لان وانقاد من الذِّل – بالكسر – بمعنى الانقياد وعدم العتو، يقال ذَل الثور والفرس ونحوهما لصاحبه ذِلا لان له، أما الذُّل – بالضم – فهو بمعنى الهوان، كقولهم: ذَل الرجل بعد عزته ذُلا إذا هان، وهذا الوصف يقتضي عتوها لعدم ترويضها بالعمل كالبقر العوامل، وبين ذلك في قوله: ( تثير الأرض ) ، فهو وصف لذلول داخل في حيز النفي.

والمراد بإثارة الأرض قلبها لأجل الحرث، ولا يكون إلا ببقرة مذللة، وروي عن الحسن أنها كانت بقرة وحشية، فلهذا وصفها بأنها لا تثير الأرض ولا تسقي الحرث، أي لم تعد للحرث ولا للسَّني، وذهب بعض أهل التفسير إلى أن جملة ( تثير الأرض )خارجة عن حيز النفي وصفت بها البقرة المطلوبة، وعليه فالوقف على ذلول، محمل هذا التفسير على أنها كانت حارثة غير ساقية، وهو مردود لوجهين:

١٬٢٣٤ / ١٬٤٤٧