جواهر التفسير .. أنوار من بيان التنزيل (نسخة ب، 1447ص)
الجزء ٣ · صفحة ٤٣٦وأما الثالث فالتكلف فيه واضح لأن المتبادر من قوله: ( يهبط من خشية الله ) أن هذه حالة مستمرة في بعض الأحجار، فحرصوه في حالة مضت دون غيرها حمل للكلام على ما لا يدل عليه، والفعل المضارع موضوع للحال والاستقبال، ولا يحمل على الأحداث الماضية إلا بقرينة، وما من قرينة على ذلك هنا. وأما قوله سبحانه: ( وإذ يمكر بك الذين كفروا ) فقرينته المضي هنا واضحة وهي ( إذ ) التي لا تدل إلا على ظرف زماني مضى.
فنخلص من هذا كله إلى أن القول الصحيح في الآية هو القول الأول مع سكوتنا عن كيفية هذه الخشية وتفويض علم ذلك إلى الله عز وجل.
ولا يشكل كون هذا الهبوط ناشئا عن أسباب طبيعية كالزلازل والإنفجارات البركانية، والعواصف والأمطار والسيول، إذ لا يبعد أن تكون وراء الأسباب الطبيعية الظاهرة حقائق روحية خفية، وذلك كتسبيح الرعد بحمد الله الذي نص عليه القرآن مع أن كلا من الرعد والبرق ظاهرة كونية ناشئة عن أسباب طبيعية معلومة.
هذا وذهب جماعة من المفسرين إلى أن مفاد قوله: ( من خشية الله ) مفاد من أجلك في قولهم: فعلت هذا من أجلك، ومحصله أن هبوط الحجارة لأجل إثارة الخشية في نفوس العباد لما يقترن به من أمور مزعجة كالزلازل والبراكين.
وحكى علامة الشام القاسمي في تفسيره ( محاسن التأويل ) عن الإمام الراغب أنه حاول التوسط في تفسيره للآية بين آراء السلف والخلف بعبارة تقارب بينها، فقسم المعارف إلى خمسة أقسام:
1- المعرفة التامة وهي العلم المطلق الذي لا يكون إلا لعلام الغيوب الذي أحاط بكل شيء علما.
2- المعرفة النامية وهي خاصة بالإنسان الذي آتاه الله معرفة غريزية وجعل له بذلك سبيلا إلى تعرف كثير مما لم يعرف.
3- معرفة دون ذلك وهي معرفة الحيوانات التي سخرها لإيثار أشياء نافعة لها والسعي إليها، واسترذال أشياء هي ضارة لها وتجنبها، ودفع مضار عن أنفسها.