جواهر التفسير .. أنوار من بيان التنزيل (نسخة ب، 1447ص)
الجزء ٣ · صفحة ٤٤٥وبعد هذا الكلام في اليهود عامة عُطف عليه ما يخص طائفة منهم، وهم الذين تقمصوا الإسلام ليمكنوا من حربه من الداخل باطلاعهم على أسرار أبنائه بما يكون بينهم من الاختلاط، وهم المنافقون الذين تحدثت عنهم هذه السورة حديثا مسهبا في فاتحتها، وقد تقدم هناك أم معظم المنافقين في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم كانوا من العنصر اليهودي، ولا إشكال في عطف حديث يخص البعض على ما يشملهم مع غيرهم من مجموعتهم لأن القرائن هي التي تبين ما يقصد بكل جانب من الحديث، وهذا كمخاطبة مجموعة من الناس بخطاب واحد له وجوه من المقاصد لكل طائفة من تلك المجموعة وجه منها، ولأن القرائن هي التي تعين المعنيين بكل وجه، ومثل قوله تعالى: ( وإذا طلقتم النساء فبلغن أجلهن فلا تعضلوهن أن ينكحن أزواجهن)(15) ، فإن صدر الخطاب موجه إلى الأزواج لأنهم هم الذين يصدر منهم الطلاق، وآخره موجه إلى الأولياء لأنهم هم الذين يمكنهم العضل.
ويستفاد من الآية أن منافقي اليهود كانوا يسترسلون في حديثهم مع المسلمين إا اختصوا بهم وادعوا أنهم مثلهم في إيمانهم بالحق الذي أنزل على محمد عليه أفضل الصلاة والسلام، وأن الاسترسال يؤدي بهم إلى كشف بعض الحقائق التي يبطلونها من علم الكتاب الذي بأيديهم، كالعهود التي أخذها الله عليهم، والأحكام التي حكم بها تعالى عليهم فإذا خلوا بأنفسهم أو مع أوليائهم، - وهم الذين سماهم الله شياطين في صدر السورة – تلاوموا على ذلك وأنكر بعضهم على بعض كشف الأسرار.
والفتح هو الحكم في لغة أهل اليمن، ومنه تسميتهم القاضي فتاحا، وقد روي عن ابن عباس رضي الله عنهما أنه قال: ما كنت أعرف معنى قوله تعالى: ( ربنا أفتح بيننا وبين قومنا بالحق)(16) ، حتى سمعت بنت سيف بن ذي يزن تقول لزوجها: تعال أفتحك أي أحاكمك، ومن إعجاز القرآن نزوله جامعا لخلاصة لغات العرب ومحاسنها.