جواهر التفسير .. أنوار من بيان التنزيل (نسخة ب، 1447ص) أحمد بن حمد بن سليمان الخليلي

جواهر التفسير .. أنوار من بيان التنزيل (نسخة ب، 1447ص)

الجزء ٣ · صفحة ٤٩٧

وإنما لم تشق الصلاة على الخاشعين لأنهم يباشرونها وضمائرهم مرتاحة ونفوسهم مشتاقة إلى مناجاة المحبوب والتقرب إليه في مقامات الزلفى، فيجدون فيها من اللذة ما لا يجده أهل الدنيا في أبهج أوقاتهم وأعظم ملاذهم، وإذا كان من شأن عامة الناس أن يحسوا بارتياح نفسي عندما يتقربون إلى ملوك الدنيا ويجالسوهم ويسمعون أحاديثهم، فما بالكم بأهل الله وخاصته عندما يتمتعون بلذيذ مناجاته ويرجون مع ذلك كريم وعده ويتقون أليم وعيده.

وقد وصف الله الخاشعين بقوله: ] الذين يظنون أنهم ملاقوا ربهم وأنهم إليه راجعون [[19].

أصل الظن الوقوف بين طرفي الأمر سلبا وإيجابا مع ترجيح أحدهما، ومن حيث أن اليوم الآخر لا مساغ للشك فيه والإيمان به أحد ركائز العقيدة في الإسلام، فسر أكثر السلف والخلف الظن هنا باليقين، واستدلوا له بقوله تعالى: ] ورأى المجرمون النار فظنوا أنهم مواقعوها [[20]، فإن المقام مقام يقين وليس مقام تردد، وقوله عز من قائل حكاية لما يقوله الفائز يوم الحساب: ] إني ظننت أني ملاق حسابيه [[21] فإنه كان على يقين من ذلك، كما استدلوا له بقول دريد بن الصمة:

وذكر ابن عطية أن الظن يكون بمعنى اليقين فيما لو كان محسوسا، فلا يقال في رجل مَرثيٍ حاضر أظن هذا إنسانا وإنما يستعمل كذلك فيما لم يخرج إلى الحس بعد[22].

وروى ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن مجاهد أن كل ظن في القرآن فهو يقين، وأقر ذلك جماعة من المفسرين منهم ابن جرير وابن كثير، ورده الشوكاني بأن ذلك متعذر في نحو قوله: ] إن الظن لا يغني من الحق شيئا [[23]، وقوله: ] إن بعض الظن إثم [[24]، إلا أن يحمل ذلك الظن المتعلق بأمور الآخرة وهو مقتضى ما رواه ابن جرير عن قتادة.

١٬٣١٦ / ١٬٤٤٧