جواهر التفسير .. أنوار من بيان التنزيل (نسخة ب، 1447ص)
الجزء ٤ · صفحة ٦٣ونسب الإغراق في الآية إلى آل فرعون، مع أن فرعون نفسه كان من الغارقين، كما نصت عليه آيات أخرى، منها قوله تعالى: ] حتى إذا أدركه الغرق[[32]، وقوله: ] فأخذناه وجنوده فنبذناهم في اليم[[33] وذلك إما لأن استحقاق آلة الغرق- وهم له أتباع لا يصدرون إلا عنه في شرورهم، ولا ينفذون إلا رغباته في ظلمهم، لأنه رأس الشر ومصدر الظلم- يقضي بأنه أحق به منهم، فإذا ما نص على غرقهم كان ذلك أدل على أنه من الغارقين، وإما لأن آله هم الذين كانوا يباشرون تعذيبهم الجسدي والنفسي، فهم الذين سخروهم للأعمال الشاقة، وسفكوا دمائهم بأيديهم، وذبحوا أبنائهم، واستحيوا نسائهم، فكان إغراق أولئك الآل أشفى لغيظ صدورهم. وفي هذين الاحتمالين غنى عن دعوى بعضهم أن المراد بالآل نفس فرعون استنادا إلى ما روي عن الحسن البصري أنه كان يقول (اللهم صل على آل محمد)، ومراده اللهم صل على محمد، فإن في توجيه ذلك - إن صح النقل - احتمال، وإذا طرق الدليل الاحتمال سقط به الاستدلال.
وإن من دواعي الاعتبار وبواعث الاستعبار أن يكون هلاك فرعون بما كان يفاخر به ويباهي، فهو القائل: ] وهذه الأنهار تجري من تحتي[[34] فأهلكه الله بالماء، وهذه هي سنة الله في خلقه، فكل مغرور بشيء يأتيه قضاء الله من طريق غروره، وكم في الأرض من عات مشاقق سعى في الأرض فسادا وأهلك الحرث والنسل حتى إذا بلغ به الغرور أوجه وخيل إليه أنه ينطح السماء بفوديه. ويطأ الجوزاء بنعليه أخذه الله أخذ عزيز مقتدر، وفي مصارع القوم الظالمين عبر للمعتبرين، وذكرى لقوم يعلمون: ] إن في ذلك لعبرة لمن يخشى[[35].