جواهر التفسير .. أنوار من بيان التنزيل (نسخة ب، 1447ص) أحمد بن حمد بن سليمان الخليلي

جواهر التفسير .. أنوار من بيان التنزيل (نسخة ب، 1447ص)

الجزء ٤ · صفحة ٧٥

وقد تقدم القول في لعل فيما تقد من تفسير هذه السورة، كما تقدم القول في الشكر في تفسير الفاتحة الشريفة، وإنما بقى أن أضيف إلى ذلك أن مادة الشكر تدل لغة على الظهور، فهي على النقيض من الكفر الدال على المواراة والإخفاء، ومن هذا الباب قولهم: (دابة شكور) إذا ظهر عليها من السمن فوق ما تعطي من العلف، والضدية المفهومة من هذين اللفظين لغة تنعكس عليهما اصطلاحا، فكما أن الشكر هو القيام بحقوق المنعم باستخدام نعمته في مراضيه، فكذلك الكفر هو التنكر لهذه النعمة بطمسها أو استخدامها فيما يسخط من أنعم بها، ويدل على هذا التقابل بينهما قوله تعالى حكاية عن عبده سليمان عليه السلام: ] ليبلوني أأشكر أم أكفر [[8]، وقوله في الإنسان: ] إنا هديناه السبيل إما شاكرا وإما كفورا [[9]، وقد اختلفت عبارات العلماء في الشكر وتحديد مفهومه، وهي ترجع إلى أصل واحد، فروى عن ذي النون المصري أنه قال: (الشكر لمن فوقك بالطاعة، ولنظيرك بالمكافأة، ولمن دونك بالإحسان)، وروى عن الجنيد أنه سئل عن الشكر وهو غلام فقال: (أن لا يعصى الله بنعمه)، وروى عنه أن حقيقة الشكر العجز عن الشكر، يعني الاعتراف التام بالعجز عن القيام بحقوق المنعم مع استقصاء الجهد في ذلك، وهذا كما روى أن داود عليه السلام عندما أمره الله بشكره قال: كيف أشكرك يا رب والشكر نعمة منك، قال: (الآن قد عرفتني وشكرتني إذ عرفت أن الشكر مني نعمة) فقال: يا رب أرني أخفى نعمك علي، قال: (يا داود تنفس)، فتنفس داود، فقال الله تعالى: (من يحصي هذه النعمة الليل والنهار؟). وروى كذلك عن موسى u أنه قال: كيف أشكرك وأصغر نعمة وضعتها بيدي من نعمك لا يجازي بها عملي كله، فأوحى الله إليه: (يا موسى الآن قد شكرتني)، وروى سهل بن عبدالله أن الشكر الاجتهاد في بذل الطاعة مع اجتناب المعصية في السر والعلانية.

-------------------------------------------------------------------------------

[

١٬٣٩٤ / ١٬٤٤٧