جواهر التفسير .. أنوار من بيان التنزيل (نسخة ب، 1447ص)
الجزء ٥ · صفحة ٤٣والقول الثاني مروي أيضًا عن ابن عباس – رضي الله عنهما -، وهو مروي عن ابن مسعود وعائشة والحسن وعروة وعمر بن عبدالعزيز وأبي تُهيك الأسدي ومالك بن أنس والكسائي والفرَّاء والجبائي والأخفش وأبي عبيد، واختاره الخطابي والفخر الرازي، وعليه عوَّل قطب الأئمة –رحمه الله تعالى – في الهميان.
ولكل واحد من الفريقين استدلال لما ذهبوا إليه، فالقائلون بالعطف استدلوا بأن هؤلاء الراسخين في العلم لو لم يكونوا على معرفة بمعاني المُتشابهات لكانوا متساويين في ذلك مع غيرهم، وفي أي شيء رسوخهم
إن لم يكونوا يعلمون إلا ما يعلم الجميع؟ وما الرسوخ إلا المعرفة بتصاريف الكلام وموارد الأحكام ومواقع المواعظ، وذلك كله بقريحة مُعدَّة، فالمعنى: وما يعلم تأويله على الإستيفاء إلا الله والقوم الذين يعلمون منه ما يمكن أن يُعلم، يقولون في جميعه: ﴿آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِّنْ عِندِ رَبِّنَا﴾ آل عمران7، على أنه لا يلزم أن يكون أولئك الراسخون قد أحاطوا بعلم المتشابه، فإذا علموا تأويل بعضه ولم يعلموا البعض، قالوا آمنا بالجميع ﴿آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِّنْ عِندِ رَبِّنَا﴾ آل عمران7، وما لم يحط به من علمنا من الخفايا مما في شرعه الصالح فعلمه عند ربنا.
فإن قال قائل: قد أشكل على الراسخين بعض تفسيره حتى قال ابن عباس: لا أدري ما الأواه. ولا ما الغسلين، قيل له: هذا لا يلزم؛ لأن ابن عباس قد علم بعد ذلك ففسر ما وقف عليه، وجواب أقطع من هذا وهو أنه سبحانه لم يقل وكل راسخ فيجب هذا، فإذا لم يعلمه أحد علمه الآخر (7).
وأيد هؤلاء ما ذهبوا إليه بقول النبي صلى الله عليه وسلم في ابن عباس: اللهم فقهه في الدين، وعلمه التأويل " (8).