جواهر التفسير .. أنوار من بيان التنزيل (نسخة ب، 1447ص)
الجزء ١ · صفحة ١٨٠وقد كان السبب في عدم تناول القرآن المكي لقضايا التشريع بالتفصيل والإسهاب أن المجتمع المكي آنذاك لم يكن مجتمعا إسلاميا فقد كان المسلمون مغمورين بالكثرة الكاثرة من المشركين الذين يضيقون عليهم الخناق ويتفننون في طرق إيذائهم فلم تكن الظروف تسمح لهم بأن يكونوا مجتمعا إسلاميا بالمعنى الصحيح فكان القرآن ينزل لشرح معالم العقيدة وإقامة الحجة على الجاحدين وكثيرا ما كان بيتعرض لأخبار النبيين وما كانوا يواجهونه من مؤامرات أعدائهم وما حصل بعد ذلك من ظهور كلمة الله وقطع دابر القوم الذين ظلموا وهو بذلك يهدف من ناحية إلى ترسيخ العقيدة في نفوس المؤمنين وإيقاد جذوة الأمل في قلوبهم ويهدف من ناحية أخرى إلى إنذار القوم الكافرين الذي اغتروا بسلطانهم وانخدعوا بجمعهم، فقد أهلك الله من قبلهم من هو أشد منهم قوة وأكثر جمعا، أما المجتمع المدني فقد كان مجتمعا إسلاميا يتيسر فيه مالا يتيسر بمكة من ممارسة الشعائر الدينية وتحكيم الشرائع الربانية فلذلك تجد في القرآن المدني مالا تجده في القرآن المكي من تفصيل الشعائر وتبيان الشرائع وقد يواجه أحيانا اليهود والمنافقين الذين بالمدينة بقواطع الحجج ولوامع البراهين التي لا تقل قوة عن تلك الحجج والبراهين التي كان يواجه بها مشركي قريش بمكة.