جواهر التفسير .. أنوار من بيان التنزيل (نسخة ب، 1447ص)
الجزء ١ · صفحة ٢٦٥فليفعل كذا) أو (من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فلا يفعل كذا) وفي ذلك ما يكفي برهانا أن الإيمان باليوم الأخر كالإيمان بالله في عمق أثرهما في سلوك الإنسان وقوة تأثيرهما في توجيه ميوله ورغباته وضبط غرائزه ونزعاته وهذا لأن الإيمان بالله يعني الإيمان بالمبدأ والإيمان باليوم الآخر يعني الإيمان بالمصير وهل تبقى للإنسان قيمة إن جهل المبدأ والمصير، وماذا عسى أن تكون حالة هذا الإنسان الذي يعيش على هامش الحياة لا يستشعر حقوقا عليه لمبدئه ولا مسئولية يخشى مغبتها في مصيره وإنما يلهو ويمرح ويأكل ويشرب ويسافد ويتناسل شأن البهائم التي لا عقل لها ولا ضمير أما إذا أدرك واستيقن أن له مبدئا أخرجه من العدم واسبغ عليه صنوف النعم وبوأه في الأرض ومكن له فيها فإن إدراكه لذلك يحيي في نفسه شعورا لافتقاره إلى تحري مرضاة هذا المبديء الكريم الخالق العظيم فيدعوه ذلك إلى أن يستمد منه منهج حياته وميزانه الذي يعرف به الخير والشر والنفع والضر ولكنه مع ذلك قد يتعامى عن قصد السبيل لما يتجاذبه من طبائع النفس ويتقاضاه من مطالب الحياة فهو واقع بين العواطف الملتهبة والغرائز الجارفة والمطالب المختلفة والدوافع المتنوعة فلا عجب إذ أنساه ذلك ما يجب عليه تجاه خالقه وتجاه الخلق ولكن إيمانه بالمنقلب الذي يلقى فيه جزاءه يجعله يستعلى على ضرورات حياته ورغبات نفسه ودوافع غرائزه فلا يجعل العواطف أساسا لتعامله مع الناس ولا الغرائز مقياسا للنفع والضر والخير والشر وحياة الإنسان في الأرض حياة محدودة بل حياة وهمية إذ لا يعرف أحدا مقدار بقائه فيها فهو ينتظر فراقها بين لحظة وأخرى فإذا لم يؤمن بحياة أطول يجازى فيها على عمله كان ذلك داعيا إلى التقاعس عن الخير واستغلال ما يمكن من المنافع العاجلة ولو على حساب الآخرين وما الذي يدعوا الإنسان إلى التفاني في البر وهو غير واثق من إسيفاء جزائه في هذه الحياة الدنيا ولا راج حياة أخرى يطمع فيها