جواهر التفسير .. أنوار من بيان التنزيل (نسخة ب، 1447ص) أحمد بن حمد بن سليمان الخليلي

جواهر التفسير .. أنوار من بيان التنزيل (نسخة ب، 1447ص)

الجزء ١ · صفحة ٢٩١

أما إذا تخلى الإنسان عن عبادة ربه فإنه يشعر بعداوة الكون وخصومة الطبيعة له ولذلك تجد الغربيين الذي رانت على قلوبهم الجاهلية الحديثة ينظرون إلى الكون نظرة الخصومة والعداء ويتجلى ذلك في عباراتهم فكثيرا ما يرد على ألسنتهم وأقلامهم قهر الطبيعة وقسوتها فإذا حقق أحدهم شيئا قالوا قهر الطبيعة أو تغلب عليها وإذا أصيب أحدهم بمكروه قالوا قست الطبيعة عليه، أما المؤمن الذي يسبح بحمد الله ويسجد لكبريائه فهو لا يشعر بأية عداوة بينه وبين الطبيعة وإنما يشعر بالألفة والمودة بينه وبينها لما يربطهما من الخضوع لله والتسبيح بحمده، ولما يتلوه على صفحاتها من آيات بينات تزيد إيمانه رسوخا ويقينه ثباتا ومما يؤسف له أنه تردد ألسنة تلامذة الغرب المنتسبين إلى الإسلام هذه العبارات الوقحة بدون شعور بهاجس نفسي يؤنبهم على استعمالها وهذا إن دل على شيء فهو دليل على ما أصاب قلوبهم من المسخ وبصائرهم من الطمس وإذا كانت العبادة منشأ الألفة والوئام بين العابد وجميع الكائنات فإن ذلك يقتضي أن تكون العبادة أوسع مدلولا مما يظنه كثير من الناس من أنها منحصرة في الصلاة والزكاة والصوم والحج وهذا هو الذي تدل عليه الآيات والأحاديث.

أما الآيات فأرى أن أؤخر الكلام عليها إلى أن أصل إليها إن شاء الله في مواضعها وأما الأحاديث فبحسبي أن أذكر مثالين منها:

1- قال رسول الله صلى الله عليه وسلم" في كل ذي كبد رطبة أجر" وهو على أن الإنسان يتقرب إلى الله سبحانه بالإحسان حتى إلى البهيمة العجماء.

2- يقول عليه أفضل الصلاة والسلام:" في بضع أحدكم صدقة" قيله له يا رسول الله أيصيب أحدنا شهوته ويؤجر؟ قال:" أرأيت إن وضعها في حرام أم يكن يؤازر" قيل له بلى يا رسول الله قال:" كذلك يؤجر إن وضعها في حلال" فانظر كيف يكون العمل الفطري الذي يلبي به الإنسان داعي الغريزة عبادة يؤجر عليها إن أحسن توجيهه واستصحب معه حسن النية.

٢٩١ / ١٬٤٤٧