جواهر التفسير .. أنوار من بيان التنزيل (نسخة ب، 1447ص) أحمد بن حمد بن سليمان الخليلي

جواهر التفسير .. أنوار من بيان التنزيل (نسخة ب، 1447ص)

الجزء ٢ · صفحة ٧٨

وإذا كان هذا ديدن المتنطعين المحرومين من هدايته في عصر نزوله فما المانع أن يكون في طوايا آياته ما لم تنكشف أسراره للجيل الذي نزل فيه؟ وأن يكون مخبأ لمن يأتي من بعدهم ممن يكونون على شاكلتهم في الانطواء على عداوة الحق، ومحاربة الحقيقة، فلعل بعض المتنطعين حال تفتيشه عن الثغرات التي يتخيلها في القرآن يواجه بمثل هذه الآيات الدالة على عجز البشر عن الاتيان بمثله فيكون من نتيجة ذلك إما انصرافه عن الغي إلى الرشد، وإما افتضاحه وتحطم كيده، ومما لا يشك فيه أن الاتيان بهذه الفواتح على النحو الذي أوضحه الزمخشري وغيره ليس من مقدور البشر ولا يضير هذا الإعجاز كونه لم يتكشف للعرب الذين نزل بين ظهرانيهم فإن نداء القرآن ليس قاصرا عليهم، وآياته لا تزال تتجدد بتجدد أطوار الناس، وتتجلى في كل عصر بما يقيم حجته على الخلق أجمعين، ﴿ وما هو إلا ذكر للعالمين ﴾(1) ، ﴿ ولتعلمن نبأه بعد حين ﴾(2) ،

********

﴿ ذلك الكتاب لا ريب فيه ﴾

ذا من أسماء الإشارة، يشار بها إلى القريب والبعيد، فإن كان المشار إليه قريبا جردت أو اقترنت بها المفيدة للتنبيه، وإن كان بعيدا اقترنت بالكاف الدالة على الخطاب، وتأتي مع اللام في قولك (ذلك)، وأخرى بدونها في قولك (ذاك).

عِظم قدر القرآن ودلالاته:

والمشار إليه هنا الكتاب المرموز إليه بـ(ألم) لأن هذه الكلمات- كما تقدم- تدل على بعض الحروف التي تركب منها، ومجيء الإشارة بالصيغة الدالة على البعد مع قرب المشار إليه محمولة على التنويه به، وبعظم قدره وعلو شأنه، كما قال تعالى عن نفسه: ﴿ ذلك عالم الغيب والشهادة العزيز الحكيم ﴾ ، ومثله وارد في فصيح الكلام العربي كقول خفاف بن ندبة السلمي:

فإن تك خيلي قد أصيب صميمها … ... فعمدا على عين تيممت مالكا

أقول له والرمح يأطر متنه … ... تأمل خفافا إنني أنا ذلكا

(1) 1 ) سورة القلم الآية "52".

(2) 2 ) سورة "ص" الآية "88".

٤٥٤ / ١٬٤٤٧