جواهر التفسير .. أنوار من بيان التنزيل (نسخة ب، 1447ص)
الجزء ٢ · صفحة ١٥٤وهذا التقسيم يتناسب- حسب رأيه- مع تقسيم المؤمنين المنتفعين بهدى التنزيل إلى طائفتين؛ مؤمني العرب، ومؤمني أهل الكتاب، واستشهد ابن كثير لهذا القول بقوله تعالى: ﴿ أهل الكتاب لمن يؤمن بالله وما أنزل إليكم وما أنزل إليهم خاشعين لله ﴾(1) ، وقوله سبحانه: ﴿ الذين آتيناهم الكتاب من قبله هم به يؤمنون وإذا يتلى عليهم قالوا آمنا به إنه الحق من ربنا إنا كنا من قبله مسلمين أولئك يؤتون أجرهم مرتين بما صبروا ويدرأون بالحسنة السيئة ومما رزقناهم ينفقون ﴾(2) .
وبحديث أبي موسى عند الشيخين، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: " ثلاثة يؤتون أجورهم مرتين؛ رجل من أهل الكتاب آمن بنبيه وآمن بي، ورجل مملوك أدى حق الله وحق مواليه، ورجل أدب جاريته فأحسن تأديبها ثم أعتقها وتزوجها".
ويلمح من كلام القطب رحمه الله في هيميانه أنه يجنح إلى هذا القول، وذلك من تصديره إياه، وإتباعه كثيرا من البحوث المتفرعة عنه، واعتمده من المعاصرين العلامة ابن عاشور، واستدل له بما يوجبه تكرار الموصول من التغاير، غير أنه نبه على دخول أهل الكتاب- إن آمنوا- في عموم الفريق الأول، لأنهم يصدق عليهم أنهم مؤمنون بالغيب ويؤمنون بالصلاة ومما رزقهم الله ينفقون.
وكلامه يقتضي أن عطف الموصول الثاني على الأول من باب عطف الخصوص على العموم.
وقيل: الآيتان في أهل الكتاب وحدهم، ذكر هذا القول ابن جرير ولم يعزه إلى أحد، ووصفه صاحب المنار بالشذوذ.
وقيل: كلتاهما في كل المؤمنين بمحمد - صلى الله عليه وسلم - ، المتبعين لهدية سواء منهم العرب الذين كانوا على الجاهلية الجهلاء، أو من كان من قبل على ملة كتابية، وعزا ابن جرير هذا القول إلى مجاهد والربيع بن أنس ورجحه ابن كثير في تفسيره- مع استشهاده للقول الأول بما تقدم ذكره- والشوكاني في فتح القدير.