جواهر التفسير .. أنوار من بيان التنزيل (نسخة ب، 1447ص) أحمد بن حمد بن سليمان الخليلي

جواهر التفسير .. أنوار من بيان التنزيل (نسخة ب، 1447ص)

الجزء ٢ · صفحة ١٦٤

وانتقد القطب رحمه الله هذين الرأيين لما فيهما من الجمع بين الحقيقة والمجاز واختار ما تقدم ذكره من أن الايمان بما أنزل يقتضي الايمان بما سوف ينزل، وهو الذي يقتضيه كلام المحقق ابن عاشور، إذ يرى أن الثناء على المهتدين إنما يكون بأنهم حصل منهم إيمان بما نزل لا توقع إيمانهم بما سينزل، لعدم احتياج ذلك إلى الذكر، فإنه من المعلوم أن الذي يؤمن يستمر إيمانه بكل ما ينزل على الرسول، لأن العناد وعدم الاطمئنان إنما يكونان في الأول الأمر، فإذا زالا بالايمان أمن من الارتداد، كما قال هرقل: وكذلك الايمان حين تخالطه بشاشته القلوب. فالايمان بما سينزل في المستقبل حاصل بفحوى الخطاب، وهي الدلالة الأخروية وليس هو مدلولا للفظ الماضي بطريق التغليب، ولكنه مراد من الكلام(1) .

الايمان بالقرآن الكريم وأثره:

والإيمان بما أنزل على النبي صلى الله عليه وسلم يجب أن يكون إيمانا تفصيليا بحيث يقصد المؤمن بايمانه الكتاب المنزل إليه للاعجاز والهداية الذي رقم في المصاحف وتناقلته اللسنة بالتواتر.

أما الايمان بما أنزل من قبل على سائر الرسل فيكفي أن يكون ايمانا إجماليا، بل هذا هو الواجب نظرا إلى أن المنزل إليهم لم يبق كما هو، بل دخله التحريف والتبديل، فليس ثم شيء معين مما أنزل إليهم باقيا على ما كان عليه حتى يقصد بالايمان، وهذا أحد سببين أوجبا التفرقة في الايمان بين القرآن والكتب السالفة.

وثاني السببين إن القرآن تعبدنا بالعمل به بخلاف تلك الكتب، فقد انتهى أمدها وهيمن عليها جميعا هذا الكتاب الخالد الذي لا أمد لأثره وهدايته، ولا يمكن العمل به إلا بعد تشخيصه في الايمان.

(1) التنوير والتحرير ،حـ1 ص238، ص139 ط الدار التونسية للنشر، (بتصرف)

٥٤٠ / ١٬٤٤٧