جواهر التفسير .. أنوار من بيان التنزيل (نسخة ب، 1447ص)
الجزء ٢ · صفحة ١٦٩وصفت هذه الطائفة التي اكتمل إيمانها بالايقان بالآخرة، لأنهم مؤمنون بالقرآن، بخلاف الأولى فإنها كانت فقط على جزء من الايمان وهي في طريقها إلى الايمان الكامل لما أوتيت من الاستعداد لذلك.
وقد عرفت مما تقدم أنني أرجح رأي من يقول إن جميع الصفات الواردة في الآيتين هي لموصوف واحد، وهو الطائفة المؤمنة.
واليقين هو أساس الايمان الذي لا يقوم إلا عليه، فإن ايمان من يعتمد على مجرد الظن إيمان متزلزل لا ثبات له، فهو منهار الأسس منهد الأركان، ولذلك قال سبحانه في اعتقاد بعض الناس: ﴿ وما لهم به من علم إن يتبعون إلا الظن وإن الظن لا يغني من الحق شيئا ﴾(1) .
وإذا كان هذا هو حكم الظن في الاعتقاد، فما بالك بما دونه من الشك والارتياب.
واليقين الحق في الايمان بالله واليوم الآخر إنما يعرف بآثاره في الأعمال كما سبق ذكره في الحديث عن الايمان وصفات المؤمنين حسب ما يدل عليه القرآن.
وذكر الامام محمد عبده من أمثلة من لم يقم إيمانه على الايقان، من يأتي إلى محكمة بدعوى كاذبة يريد بها أكل مال أخيه بغير حق، أو بشهادة مفتراه يجامل بها صديقه، أو ينتقم بها من عدوه، وهو يعلم باطله وزوره، فيوعظ ويذكر: ﴿ ويوم يعض الظالم على يديه ﴾(2) ، فيقول: أعوذ بالله أنا اعلم ذلك اليوم الذي أمامي، وأن بين يدي شبرا من الأرض- يعني القبر- وأن الدنيا لا تغني عن الآخرة، ويحلف اليمين الغموس باسم الله تعالى بأنه محق في كلامه، ثم يكشف التحقيق عن إفكه، ويضطر إلى الاعتراف بزوره، فكأن الايمان بالله واليوم الآخر عنده خيال بلوح له عندما يريد ان يخادع غيره، وشرك يصطاد به حقوق الناس بغير حق.
صفة الايمان اليقيني:
وذكر الامام أن الايمان المبني على اليقين هو الذي يكون معه إحساس من طريق الوجدان يجعل المؤمن كأنه يرى ما آمن به وهذا الايمان هو الذي يملك نفس صاحبه، وهو يأتي من طريقين: