جواهر التفسير .. أنوار من بيان التنزيل (نسخة ب، 1447ص)
الجزء ٢ · صفحة ١٧٦وإني أرى جعل التفسير معرضا للمجادلات اللغوية وميدانا للمباريات البيانية، خروجا بهذا العلم الجليل عن حدوده المرسوم، واشتغالا بما لا داعي إليه فيه. وإنما ينبغي الاقتصار من ذلك على ما يجلي من الآية جوهر معناها، ويزيح الستار عن إعجاز مبناها.
أما الزيادة على ذلك فقد تفضي إلى تلاشي المقاصد الأساسية التي يجب أن ينحوها المفسر. فالقرآن أنزل لوصل النفوس ببارئها وصقل العقول من أصداء الشك حتى يتجلى لها العلم اليقين وتتخلص من وساوس الشيطان وتتطهر من أرجاس الطبع وتستقيم على صراط الله العزيز الحميد.
وأكثر التفاسير- مع الأسف- بعيدة عن رعاية هذه الأهداف بل ربما ظن قارئها أن يتلو كتابا في الاعراب أو في اللغة واشتقاقاتها أو في البلاغة وأساليبها، وهكذا.
وفي وسط هذه التيارات تتلاشى مقاصد التفسير الأساسية وهي إيضاح ما انبهم من هداية القرآن، وبيان موضع العبرة من قصصه وأمثاله، ومحط الحكمة من تشريعاته وأحكامه. وأدهى من ذلك حشو مؤلفات التفسير بمخلفات اليونان وغيرهم ومن الفلسفات العقيمة والأساطير القديمة. ولعمري إن ذلك ليس من تفسير القرآن في شيء، بل هو أحرى أن يكون تعتيما على هداه، وحجبا لحقائقه، نسأل الله العافية.
هذا، وقد علمت مما سبق اتحاد الاشارتين في الآية، ووجه تكرار اسم الاشارة للتنبيه على أن اختصاصهم بالهداية واختصاصهم بالفلاح، كل منهما جدير بالعناية، وحقيق بأن يستقل في التنويه به فلا يكون أحد الأمرين تابعا للآخر، ولذلك خص كل واحد منهما بجملة وإشارة.
وفي ذلك أيضا تنويه بالموصوفين أنهم جمعوا بين النقبتين، واختصوا بكلتا المأثرتين، وعطفت الجملة اللاحقة على السابقة لأجل توسطهما بين كمال الاتصال، وكمال الانقطاع، فإن كلا من الهدى والفلاح له مفهومه الخاص، وزمانه الخاص، إذ الهدى يتلبس به في الحياة الدنيا، والفلاح يتوصل إليه في الدار الآخرة.