جواهر التفسير .. أنوار من بيان التنزيل (نسخة ب، 1447ص) أحمد بن حمد بن سليمان الخليلي

جواهر التفسير .. أنوار من بيان التنزيل (نسخة ب، 1447ص)

الجزء ٢ · صفحة ١٨٩

وقال الامام محمد عبده: الكفر هنا عبارة عن جحود ما صرح الكتاب المنزل أنه من عند الله، أو جحود الكتاب نفسه أو النبي الذي جاء به، وبالجملة ما علم من الدين بالضرورة بعد ما بلغت الجاحد رسالة النبي - صلى الله عليه وسلم - بلاغا صحيحا، وعرضت عليه الأدلة على صحتها لينظر فيها؛ فأعرض عن شيء من ذلك وجحده عنادا أو تساهلا أو استهزاء، نعني بذلك أنه لم يستمر في المظر حتى يؤمن- ثم قال- ولم نسمع أن أحدا من الصحابة- رضي الله عنهم- كفر أحدا بما وراء هذا فما عداه من الأفاعيل والأقاويل المخالفة لبعض ما أسند إلى الدين ولم يصل العلم بأنه منه إلى حد الضرورة- أي لم يكن سنده قطعيا كسند الكتاب- فلا يعد منكره كافرا إلا إذا قصد تكذيب النبي صلى الله عليه وسلم فمتى كان للمنكر سند من الدين يستند إليه فلا يكفر، وإن يستهن بشيء مما ثبت بالقطع وروده عن المعصوم صلى الله عليه وسلم.

وقد تجرأ بعض المتأخرين على تكفير من يتأول بعض الظنيات أو يخالف شيئا مما سبق الاجتهاد فيه أو ينكر بعض المسائل الأخلاقية، فجرأوا الناس على هذا الأمر العظيم حتى صاروا يكفرون من يخالفهم في بعض العادات وإن كانت من البدع المحظورات، ثم هم على عقائد الكافرين وأخلاق المنافقين، ويعملون أعمال المشركين ويصفون أنفسهم بالمؤمنين الصادقين(1) .

وهذا كلام في منتهى النفاسة فإن التجرؤ على إخراج أحد من الموحدين من حظيرة الملة أمر لا يستهان به، فهو تترتب عليه عواقب سيئة في الدنيا والآخرة، لأن سبب انفكاك العرى وانحلال الروابط وتقطع الصلات بين الأمة.

ومن ثم نجد أصحابنا- رحمهم الله- لا يكفرون كفر شرك من يصطدم بالنصوص القاطعة إن كان متشبثا بشيء من التأويل، وإن كان في ذاته أو هي من نسج العنكبوت، وإنما يصفون مثله بالنفاق وكفر النعمة.

(1) تفسير المنار، حـ1 ص140 ط4

٥٦٥ / ١٬٤٤٧