جواهر التفسير .. أنوار من بيان التنزيل (نسخة ب، 1447ص)
الجزء ٢ · صفحة ١٩٥وقوله " لا يؤمنون" يفيد تقرير ما تقدم، وهو إما تأكيد له وإما خبر بعد خبر، ولا يصح أن يكون خبر إن وجملة "سواء عليهم أأنذرتهم أم لم تنذرهم" اعتراضية وإن جوزه صاحب الكشاف لأن فائدة الاخبار بيان استواء الانذار وعدمه لا إفادة عدم إيمانهم فحسب.
لا يكلف الله إلا بما في وسع المكلفين:
هذا وقد تشبث بهذه الآية كثير من القائلين بجواز التكليف بالمحال ووقوعه، ووجه استدلالهم أن الله سبحانه أخبر عن هؤلاء الكفار بعدم إيمانهم، واستواء الانذار وعدمه عليهم، وهم مع ذلك مخاطبون بالايمان مكلفون به مع عدم جواز تبديل شيء من كلمات الله تعالى، وهو يعني أنهم مطالبون بأن يؤمنوا أنهم لا يؤمنون لاندراج ذلك فيما طولبوا بالايمان به من الكتاب. هذا ملخص ما يقولونه، ولهم في الاستدلال لذلك مسالك متشعبة ووجوه مختلفة وكأني بهؤلاء يتصاممون عن قوله تعالى: ﴿ لا يكلف الله نفسا إلا وسعها ﴾ وقوله: ﴿ لا يكلف الله نفسا إلا ما آتاها ﴾ .
والآيات الدالة على عدم إيمان الكفار ناتج عن عنادهم وإخلادهم إلى الضلالة، وإصرارهم على الباطل كقوله تعالى: ﴿ وما منع الناس أن يؤمنوا إذ جاءهم الهدى ويستغفروا ربهم إلا أن تأتيهم سنة الأولين أو يأتيهم العذاب قبلا ﴾(1) . وقوله: ﴿ وماذا عليهم لو آمنوا ﴾(2) .
والقول الحق في ذلك أن إخبار الله عز وجل بعدم إيمانهم إنما هو إخبار عما علمه من حالهم، فلا يسقط ذلك تكليفهم بالايمان ولا يدل على أنهم طولبوا بما هم عاجزون عنه، فإنهم كانوا قادرين على التسليم، وإنما باعدهم عنه ما رسخ في نفوسهم من كراهة الحق، وعداوة أهله.