جواهر التفسير .. أنوار من بيان التنزيل (نسخة ب، 1447ص)
الجزء ٢ · صفحة ٢١١أما القلوب فهي تتفاوت في استقبالها المعلومات بتفاوت استعدادها واشتغالها بما تتلقاه، وبتفاوت ما يلمح لها من الأدلة والبراهين، واختلاف ما يرد عليها من الأفكار، قلة وكثرة، وكذلك الأبصار متفاوتة في مشاهدة المبصرات التي توحي إلى النفس أنواعا من العلوم فلكل بصر حظه من النظر في آيات الله في الأنفس وفي الآفاق الشاهدة بوحدانيته، واتصافه بكل كمال ذاتي والدلالة على صدق رسله فيما يدعون إليه الناس، ولذا كان الأنسب بالقلوب والأبصار الجمع، وبالسمع والإفراد، وأجيز بأن يكون الإفراد هنا لأمن اللبس، كما في قول الشاعر:
كلوا في بعض بطنكم تعفوا … ... فإن زمانكم زمن خميص
وقول الآخر:
كأنه وجه تركيين قد غضبا … ... مستهدف لطعان غير تذبيب
وهو شائع في الشعر العربي، ولكني لا أرى تخريج ما في القرآن عليه لسمو القرآن عن درجات الشعر.
وإذا كان النثر البليغ يستعصي أحيانا تخريجه على ما يباح في الأشعار، فما بالك بكلام الله تعالى الذي لا يعدل فيه عن لفظه إلى أخرى إلا وفي طي هذا العدول معنى بليغ يشار به إليه.
وبعد أن بين سبحانه وتعالى حال هؤلاء، في الدار الدنيا بأنهم لا يهتدون سبيلا ولا يسمعون للحق قيلا، لما على قلوبهم وسمعهم من الختم، وعلى أبصارهم من الغشاوة، أتبعه ببيان مالهم في الدار الآخرة، بما بوعدهم به من العذاب العظيم، هذا إن قلنا إن العذاب المتوعد به هو عذاب الآخرة، وهو المتبادر، وأجاز بعض المفسرين أن يقصد به إما عذاب النار في الآخرة، وإما عذاب القتل والسغب في الدنيا.
والعذاب كالنكال لفظا ومعنى مأخوذ من أعذب عن الشيء إذا أمسك عنه، كما يقال فيه نكل عنه.
أو من قولهم عذب الرجل إذا ترك المأكل والنوم، فهو عاذب وعذوب، وبناء على ذلك فالتعذيب أصله حمل الانسان على أن يعذب أي يجوع ويسهر.
وقيل: هو مأخوذ من العذب والعذوبة وعليه فمعنى التعذيب إزالة عذوبة حياة المعذب، كما يقال مَرَّضته أي أزلت مرضه، وقذيته أي أزلت قذاه.