جواهر التفسير .. أنوار من بيان التنزيل (نسخة ب، 1447ص) أحمد بن حمد بن سليمان الخليلي

جواهر التفسير .. أنوار من بيان التنزيل (نسخة ب، 1447ص)

الجزء ٢ · صفحة ٢١٤

أما هذا الفريق فلالتوائه في معاملته وستره قبائح طواياه بمحاسن ظاهره، كان أغمض حالا وأندر وصفا، وأغرب تصورا، بحيث لا يخطر بالبال وجود مثله، فلم يكن داع إلى استئناف بيانه لأن السامعين- لفراغ بالهم منه- لم يكونوا يتطلعون إلى خبره ومن ثم كان هذا العطف.

وقبل الكلام عن تفاصيل ما تحتويه الآية الكريمة جملة وإفرادا أرى من المناسب أن أذكر النفاق ومدلوله اللغوي والعرفي.

مدلول النفاق ومعناه:

أما لغة: فهو من نفق اليربوع تنفيقا، ونافق نفاقا إذا دخل في نافقائه وذلك أن لبيت اليربوع بابين؛ ظاهرا وخفيا فإذا أراد أحد اصطياده وترصد له في بابه الظاهر، خرج من بابه الخفي، وفات المصطاد. ويسمى الظاهر قاصعاء، والخفي نافقاء. ويقال إذا خرج من النافقاء نَفِقَ- بكسر الفاء وفتحها- وانَتفَقَ ونَفَّق.

واما اصطلاحا فهو الدخول في الاسلام من وجه والخروج عنه من وجه آخر، وهو بهذا المعنى اسم جديد جاء به القرآن ولم تكن العرب تعرفه في جاهليتها، وهو مأخوذ من المعنى اللغوي المتقدم.

فإن المنافق بصنيعه هذا يشبه اليربوع في مخادعته لم يحاول اصطياده بدخوله من باب ظاهر وخروجه من باب خفي.

وكما يطلق النفاق شرعا على مخالفة العقيدة للقول، يطلق كذلك على عدم التزام واجبات الاسلام العملية، والتلبس بالأعمال والأخلاق المنافية لصفاء الدين وطهارته، والدلائل على ذلك سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم وأقوال صحابته- رضي الله عنهم- كثيرة يشد بعضها بعضا، منها ما أخرجه البخاري ومسلم وأبو داود والترمذي والنسائي عن عبدالله بن عمرو بن العاص، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:" أربع من كن فيه كان منافقا خالصا، ومن كانت فيه خصلة منهن كانت فيه خصلة من النفاق حتى يدعها؛ إذا ائتمن خان، وإذا حدث كذب، وإذا عاهد غدر، وإذا خاصم فجر"، وفي رواية للنسائي: " إذا وعد أخلف" بدلا من "إذا ائتمن خان".

٥٩٠ / ١٬٤٤٧