جواهر التفسير .. أنوار من بيان التنزيل (نسخة ب، 1447ص)
الجزء ٢ · صفحة ٢٢٠وقوله تعالى:" ومن الناس" شروع في الاخبار عن هذه الطائفة المتلوية والكشف عن صفاتها، وهو خبر مقدم على المبتدا، وهو من، سواه قلنا إنها موصولة أو موصوفة، وقد استشكل اعتبار من الناس خبرا لأن الخبر ما تحصل به الفائدة، وكون هؤلاء من الناس ليس أمرا عازبا عن الأفهام حتى يحتاج إلى البيان، والكل يعرف أنهم ليسوا من الملائكة ولا الجن ولا البهائم، والنظر إلى ما بعد المبتدأ يقضي على هذا الاشكال، إذ ليس القصد الاخبار عن إنسانيتهم وإنما الاخبار عن وجود طائفة من الناس تتلون في حالاتها وتتلوى في معاملاتها تدعي الايمان بألسنتها وتهدم ما تدعيه بأفعالهم لأن أفئدتها فارغة من جوهر الايمان، ويغنيكم هذا النظر عن كثير من التأويلات التي لجأ إليها المفسرون، كقول السيد الجرجاني بأن مضمون الجار والمجرور هنا مبتدأ على معنى وبعض الناس وخبرة من موصولة كانت أو موصوفة وقول بعضهم بإن صفات هؤلاء لما كانت تنافي الانسانية كانت حالهم جديرة بالاستغراب، وحسن أن يخبر عنهم بأنهم من الناس، ويرده وقوع مثل هذا التركيب حيث لا يتأتى مثل هذا الاعتبار كقوله تعالى: ﴿ من المؤمنين رجال صدقوا ما عاهدوا الله عليه ﴾(1) . وكقوله بعض المفسرين بأن هؤلاء لسوء حالهم وفساد أخلاقهم بأن يستحي من ذكر أشخاصهم، فلذلك اكتفى سبحانه في الاخبار عنهم بقوله " ومن الناس" ،ونحو ذلك ما جاء في الأخبار أن النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا أراد التعريض ببعض الناس قال: " ما بال رجال يفعلون كذا…" والناس جمع إنسي- بكسر الهمزة وياء النسب- عوضا عن أناسي وهو الجمع القياسي له، ولا يبعد أن يكون اسم جمع وليس بجمع لخروجه عن أقيسة الجموع المطردة.
ويرى بعض أئمة العربية أن (أل) فيه عوض عن همزة أناس ويرد ذلك قول عبيد بن الأبرص:
إن المنايا يطلعن على الأناس الآمنينا
(1) سورة الأحزاب الآية "23".