جواهر التفسير .. أنوار من بيان التنزيل (نسخة ب، 1447ص)
الجزء ٢ · صفحة ٢٢٤أولهما: أنه إذا أمكن للمنافقين أن يخدعوا المؤمنين بإظهارهم جميل القول وحسن المعاملة وإعلانهم الايمان، فلا يمكنهم بحال أن يخدعوا قيوم السموات والأرض، العليم بما تنطوي عليه حنايا الضمائر وما تكتنفه أعماق النفوس.
ثانيهما: إذا كان الخدع من ديدن المنافقين فليس هو من شأن المؤمنين، لأنه صفة مذمومة اللهم إلا ما استثنى من خدع العدو في الحرب لأجل إحراز النصر. وقد يحمد من المؤمن التغاضي والصفح اللذان قد يتوهم أنهما ناشئان عن البلة ، كما جاء في الحديث " المؤمن غر كريم" وهو معنى قول الفرزدق:
استمطروا من قريش كل مخدع … ... إن الكريم إذا خادعته انخدعا
وقول ذي الرمة:
تلك الفتاة التي علقتها عرضا … ... إن الحليم وذا الاسلام يختلب
فلا عجب إن كانوا مخدوعين بظواهر أعمال المنافقين؛ لأن من شأنهم إحسان الظن وغض الطرف عن الهفوات، مع توقد فطنهم ونفاذ بصائرهم، غير أنه لا يحمد بحال أن يكون شأنهم شأن المنافقين في إظهار غير ما يبطنون وإعلان خلاف ما يسرون.
وإذا كان صدور الخدع من المؤمنين ممتنعا فأحرى أن يمتنع عالم الغيب والشهادة الذي هو على كل شيء قدير.
ومن الظاهر بداهة أن الخداع لا يكون إلا لضعف الخادع وقوة المخدوع وإذا كان هذا في البشر فكيف يمكن صدور مثله ممن لا يعجزه شيء في الأرض ولا في السماء.
وأجيب عن الأول بوجوه:
أولها: أن الخداع قد يصدر من أحد لغيره فيصادف غير مقصوده، كمن يخدع عامل الحاكم أو وكيله فينبه بأن صنيعه هذا يتجه إلى الحاكم، هكذا شأن المنافقين، فهم بخداعهم المؤمنين الذين صنعوا على عين الله وأحيطوا بكلاءته وشملوا برعايته، فنبه أولئك المنافقون المخادعون بأن خداعهم للمؤمنين هو في حقيقته خداع الله سبحانه، إذ هو الكفيل بنصر عباده ودفع المكاره والأذى عنهم.