جواهر التفسير .. أنوار من بيان التنزيل (نسخة ب، 1447ص) أحمد بن حمد بن سليمان الخليلي

جواهر التفسير .. أنوار من بيان التنزيل (نسخة ب، 1447ص)

الجزء ٢ · صفحة ٢٥٧

وكثيرا ما يتردد على ألسنة منافقي العصر الحديث التشدق بالاسلام، ودعوى الانتماء إليه، والاعتزاز به، ليواروا بذلك ما ينطوون عليه من الكفر والشر والفساد، غير أن طبيعتهم المنحرفة تجعلهم أحيانا تفيض ألسنتهم بما تطفح به صدورهم من الحقد الدفين والكراهية للاسلام والمسلمين.

وقوله تعالى: ﴿ وإذا قيل لهم… ﴾ " الآية"، وارادوا مورد تعداد مساوئ المنافقين وهتك أستارهم والنعي عليهم، فلذلك لا أجد داعيا إلى السؤال هل هو معطوف على جملة " يكذبون" من الآية السابقة كما رجحه الزمخشري، أو معطوف على " ومن الناس من يقول آمنا بالله واليوم الآخر" كما اختاره الألوسي أو معطوف على " يقول آمنا" كما حكاه الزمخشري، أو على " في قلوبهم مرض" كما استظهره ابن عاشور؟ فإنه مع جواز عطف القصة على القصة- كما تقدم- لا يمنع أن تساق أحوال طائفة مخصوصة في نسق يتبع بعضها بعضا سواء كان الحديث عن بعضها في جملة أو أكثر، إذ المراد تجلية هذه الأحوال للسامعين ليكونوا منها على بصيرة ومن أصحابها على حذر.

ويرى بعض أهل التفسير أن إذا هنا عارية عن معنى الشرط، وإنما هي للظرفية وحدها، ويترتب على ذلك كونها للمضي وليست للاستقبال كما إذا كانت شرطية، وهو واضح لأن ذلك ديدنهم قبل الاخبار عنهم، ونحوها قوله تعالى: ﴿ حتى إذا فشلتم وتنازعتم في الأمر ﴾(1) ،فإن دلالتها على المضي فيه واضحة.

وتقديم الظرف على " قالوا إنما نحن مصلحون" هو- كما يقول ابن عاشور- لايقاظ الأفكار وتنبيه العقول على ما وصلوا إليه من الفساد، وانتهوا إليه من الضلال، وفي ذلك تعجيب من حالهم فإن من شأن الفساد أن يكون باديا للأنظار السليمة متشخصا للأفكار المستقيمة، ولا تكون المكابرة بإنكاره دعوى أنه عين الصلاح وروحه إلا ممن بلغ الفساد فيه غايته، خصوصا عندما يكون مثل هذا الجواب موجها إلى الناصح الأمين في مقام التوعية والتنبيه.

(1) سورة آل عمران الآية "152"

٦٣٣ / ١٬٤٤٧