جواهر التفسير .. أنوار من بيان التنزيل (نسخة ب، 1447ص) أحمد بن حمد بن سليمان الخليلي

جواهر التفسير .. أنوار من بيان التنزيل (نسخة ب، 1447ص)

الجزء ٢ · صفحة ٢٦٩

يسوغ هنا ما سبق في قوله" وإذا قيل لهم لا تفسدوا في الأرض" أن يعتبر قائل ذلك هو الله أو رسوله أو المؤمنون أو المنافقون أنفسهم، عندما يفكر بعضهم في عاقبة هذا النفاق وما يكلفهم من ابتكار الحيل وانتحال الأكاذيب لأجل درء التهم، وتحسين المظهر، فتكون إجابة أولئك الذين مردوا على النفاق وغرقوا فيه إلى الأذقان ما حكي عنهم هنا وهناك، والمراد بالناس الذين جمعوا صفات الانسانية الكاملة، فلذلك اعتبرت محصورة فيهم، وكأن من عداهم ليس من الانسانية في شيء، وروى ابن جرير عن ان عباس- رضي الله عنهما- أن المراد بهم رسول الله صلى الله عليه وسلم ومن كان معه من المهاجرين والأنصار، الذين رسخت أقدامهم في الإيمان، وانشرحت صدورهم باليقين، وعليه عول كثير من المفسرين، وقيل: المراد بهم من آمن من أهل الكتاب، كعبدالله بن سلام- رضي الله عنه- وهو مبني على ما سبق ذكره من أن الخطاب لمنافقي اليهود، وقيل: المراد بهم الناس الذين يعتقدون فيهم كمال الانسانية ورقي الأفكار وإشراق العقول، كإبراهيم وإسحق ويعقوب وغيرهم من النبيين الذين يفخرون بالانتماء إليهم.

النفاق يزين الباطل ويقبح الحق:

وعلى أي حال فإن هذا الوصف يصور لنا ما يصل إليه النفاق بأهله من تزيين الباطل وتمجيد ذويه بنصيحته ولا عجب فإن الحق من دلائل صدقه استهانة المبطلين به، وإن من علامات كمال الفضيلة في الانسان، واتصافه بأرقى الصفات الانسانية؛ استخفاف سفهاء الأحلام به، ورميهم إياه بالمذام والنقائض كما قال المتنبي:

وإذا أتتك مذمتي من ناقص … ... فهي الشهادة لي بأني كامل

وليس ما نشاهده ونسمعه في هذا العصر من سخرية المفسدين بالمصلحين واستحقاقهم بحلومهم، ونبرهم بالألقاب الشائنة ولمزهم بالعبارات الجارحة، إلا امتدادا لأحوال قديمة دأب عليها أولو الفساد فكانت من علامتهم التي بها يعرفون.

٦٤٥ / ١٬٤٤٧