جواهر التفسير .. أنوار من بيان التنزيل (نسخة ب، 1447ص) أحمد بن حمد بن سليمان الخليلي

جواهر التفسير .. أنوار من بيان التنزيل (نسخة ب، 1447ص)

الجزء ٢ · صفحة ٢٧٧

هذه الطريقة متبعة عند منافقي جميع العصور على اختلافها فهم عندما يحسون بقوة الحق، وظهور المحقين لجأوا إلى هذا المسلك فلقوا المحقين بوجه، والمبطلين بآخر، متصورين أن هذه براعة وفطنة وذكاء، وما هي إلا غباوة ونذالة وانحطاط وسفاهة، لا يرضاها إلا الأدنياء، فلذلك عدوا أسوا حالا ممن أعلن باطله وجاهر بكفره، فإنهم مع ما اشتركوا فيه مع الكفار من عقيدة الكفر، تميزوا بهذا الاسلوب الذي يسخرون به من المؤمنين ويستخفون به بما أنزل الله من الحق، وتلك هي الحقيقة التي يبدونها لشياطينهم حتى يطمئنوا إليهم ويثقوا فيهم.

وإنما قلت إن هذا هو ديدن أهل النفاق عندما يشعرون بسلطان الحق، ويرون آثار مده، لأن استشراء النفاق إنما بدأ بعد ما أخذ الاسلام يهز قواعد الكفر ويزلزل أركان الجاهلية، وقد علمت مما تقدم أن النفاق إنما عهد بعد غزوة بدر التي جعلت شياطين الكفر يحسبون كل حساب لهذا الدين(1) ، ولم يكن الذين لجأوا إلى النفاق من الشهامة والرجولة بحيث يتمكنون من المنابذة الصريحة والمقاومة المكشوفة، فلم يجدوا أمامهم إلا هذه الطريقة الملتوية فصاروا مذبذبين بين الطائفتين.

وقوله عز وجل ﴿ ولا تؤتوا السفهاء أموالكم ﴾ توطئه لما بعده، فلا يعد تكرارا لما في قوله ﴿ ولا تؤتوا السفهاء أموالكم ﴾ .

وأرى أن هذا العطف والذي قبله جيء بهما لتعداد مساوئ أهل النفاق كما سبق ذكره.

(1) كذا كنت قلت تبعا لبعضهم ثم اتضح لي ان النفاق سابق على غزوة بدر، وذلك في قوله تعالى: " إذ يقول المنافقون والذين في قلوبهم مرض غر هؤلاء دينهم "الأنفال" الآية"49" فان دلالة هذه الآية على وجود طائفة من المنافقين في المدينة أثناء خروج المسلمين لمواجهة الكفار في بدر وسخريتهم من المؤمنين ومن دينهم واضحة لا غبار عليها.

٦٥٣ / ١٬٤٤٧