جواهر التفسير .. أنوار من بيان التنزيل (نسخة ب، 1447ص) أحمد بن حمد بن سليمان الخليلي

جواهر التفسير .. أنوار من بيان التنزيل (نسخة ب، 1447ص)

الجزء ٢ · صفحة ٢٨٣

والاستهزاء: الاستخفاف، ومادته دالة عليه فإنهم يقولون تهزأ به ناقته إذا أسرعت وخفت، وذكر الامام الغزالي أنه الاستحقار والاستهانة والتنبيه على العيوب والنقائض على وجه يضحك منه، وذكر الفخر أنه عبارة عن إظهار موافقة مع إبطان ما يجري مجرى السوء على طريق السخرية، وأتبع ذلك قوله: فعلى هذا قولهم شرهم، ونقف على أسرارهم، ونأخذ من صدقاتهم"(1) ورده الألوسي بأنه مخالف للغة والعرف.

وبعد أن حكى الله سبحانه عن أولئك السفهاء ما حكاه من استخفافهم بأولي الحلوم الراجحة، والايمان الراسخ، رد على مقالتهم السيئة بقوله ﴿ الله يستهزئ بهم ويمدهم في طغيانهم يعمهون ﴾ ليكون في هذا الرد الصريح تسلية للمؤمنين في ذلك العصر وفيما يتبعه من العصور؛ بأن الله تعالى كافيهم مكائد خصومهم الذين يلقونهم بوجوه الخير ويخفون وراءها قلوبا طافحة بالشر، غاصة بالأحقاد، ومثله قوله لرسول الله صلى الله عليه وسلم: ﴿ إنا كفيناك المستهزئين ﴾(2) ، وفي هذا تثبيت لعزائم أهل الحق وبعث لهم لأن يشقوا طريقهم لا يلوون على أحد من مناوئيهم ما دام الله سبحانه هو المتكفل بأن يجزيهم جزاء من جنس عملهم.

والآية الكريمة وإن نزلت في المنافقين الذين كانوا في عهد الرسالة فمدلولها يشمل كل من كان على شاكلتهم، وما أكثر أولي الاستخفاف بالحق والاستهزاء بأهله الذين يلقون المؤمنين بالألسنة الكاذبة والقلوب الحاقدة والنوايا السيئة، وإنما سلو المؤمنين في هذه الكفاية الربانية ﴿ وكفى بالله وليا وكفى بالله نصير ﴾(3) .

(1) التفسير الكبير حـ2، ص69 الطبعة الثانية

(2) 1 ) سورة الحجر الآية "95".

(3) 2 ) سورة النساء الآية "45"

٦٥٩ / ١٬٤٤٧